محمود درويش:
المنفى وحركة المعنى في المحدّد!
نصار إبراهيم
كاتب فلسطيني - مركز المعلومات البديلة
"صبرا- تغني نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة
كم مرة ستسافرونْ
والى متى ستسافرونْ
ولأي حلم؟
وإذا رجعتم ذات يومْ
فلأي منفى ترجعون؟
رحلوا وما قالوا
شيئا عن العودة
لا، ليس لي منفى
لأقول: لي وطن
كل هذا الليل لي، والليل ملح
ويكون – بحر
ويكون – بر
ويكون – غيم
ويكون – دم
ويكون – ليل
ويكون – قتل
ويكون – سبت
تكون – صبرا.
صبرا – تقاطع شارعين على جسد
صبرا نزول الروح في حجر
وصبرا – لا أحد
صبرا – هوية عصرنا حتى الأبد."
(من مديح الظل العالي)
"لماذا تركت الحصان وحيدا؟
أجابه:
لكي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها"
(لماذا تركت الحصان وحيدا)
"إن عدت وحدك، قل لنفسك:
غيّر المنفى ملامحه…
ألم يفجع أبو تمام قبلك
حين قابل نفسه
"لا أنتِ أنتِ
ولا الديار هي الديار"
(لا تعتذر عما فعلت)
شكل استهداف فلسطين، كجماعة ومكان وتاريخ وذاكرة، وما ترتب على ذلك من اقتلاع مادي ومعنوى، الإطار والسياقات التي تحكم حركة الإبداع الثقافي الفلسطيني بكل حقولها، بعد أن تحول الفلسطينيون إلى "مجتمع تاريخي من العذاب" (إدوارد، 1981) أصبح المبدع الفلسطيني في مواجهة قاهرة مع ضغط الأحداث المباشر وما تستدعيه من ردود فعل من جانب، ومعايير وشروط الإبداع التي عليها أن تتخطى قيود المباشر السياسي باتجاه كشف وصياغة العلاقات التي تحكم صيرورة الجماعة الفلسطينية في سياق تفاعل ثلاثية الماضي – الحاضر - المستقبل من جانب آخر. هكذا شكلت المأساة الفلسطينية المتواصلة بكل تفاعلاتها وتجلياتها الفضاء والحاضنة لتجربة محمود درويش الإبداعية، وبهذا المعنى فقد" جعل فلسطينيته عنوانا آخر للشعر وحولها إلى ملحمته وميتفيزياه وإشكاله الأنطولوجي" (بيضون، 2003).
تعامل محمود درويش مع مفردات المآسي والنكبات الفلسطينية وما رافقها من معاندة ومقاومات باعتبارها الطينة الطبيعية الأولى التي معها ومنها تتشكل الأبعاد الإبداعية لديه، كان دائما يعود إليها، يعيد قراءتها، يعيد تشكيلها، ليستخرج منها أبهى الصور والمفاهيم الجمالية، كانت هذه العملية، المضنية والممتعة في آن، تعيد صياغة وعيه لذاته وتجربته، وكأنه مع كل مرحلة إبداعية يولد من جديد، أو على حد قوله " هناك شعراء يولدون "بالتقسيط" وأنا من هؤلاء الشعراء. ولادتي لم تتم مرة واحدة" (درويش، السفير، 2003) ،
ستحاول هذه الورقة استكشاف جدل العلاقة بين المنفى كحالة فلسطينية وسياقات التحول في وعي محمود درويش وتحرك المعنى في إبداعاته الشعرية، وفي هذا الإطار سنتابع جدل المنفى والعودة، المنفى كواقع ملموس في المكان، وكحالة تفاعل اجتماعي وإنساني، ذلك أن عدم وعي هذه الخافية في ثقافة وملابسات اللجوء الفلسطيني، يجرد مفهومي المنفى والعودة من بعض أبعادهما الأكثر أهمية.
احتل محمود درويش ذلك المكان العالي في الوعي الفلسطيني والعربي والإنساني بكل جدارة باعتباره شاعر المقاومة بأبهى تجلياتها الإنسانية والأخلاقية والجمالية، لقد فرض نفسه من خلال ارتقائه وسيره الدائم عند خط المواجهة المتقدم دون أن يفقد لونه أو خصوصيته، ونجح في أن يحمل قضية شعبه إلى أقصى مكان في الكون وأن يقدم الشعب الفلسطيني بأجمل ما يكون، ورغم ذلك لم يهبط بالشعر إلى مستوى المباشر السياسي، بل ارتقى بالوعي السياسي إلى ذروة الشعر، وهو يرى بأن "المقياس الأيديولوجي قد انتفى تماما في علاقتنا بالنصوص الشعرية، ولهذا أصبحنا أكثر حرية في قراءة النص" (المصدر السابق).
لقد حلق محمود درويش بشعره في فضاءات الروح الفلسطينية الإنسانية الشاسعة، عشقا، حلما، أسى، فرحا، غضبا، وحنينا، من ركام المآسي يلتقط شظايا الجمال ويعيد تشكيله، وفي غمرة الفرح لم يفقد خيط الحزن، ماهر في مراقصة المتناقضات، اللغة نبض والنبض لغة، لا يذهب نحو المتخيل أو الافتراضي إلا بقدر ما يحيل ذلك إلى الواقع، غير أنه لم يحول شعره إلى مجرد بيان سياسي فهو دائما مسكون بالبحث عن الحرية سواء بمفهومها المادي أو ببعدها الإبداعي "… يجب أن نصدق أن الشعر يستطيع أن يتحرر مما ليس منه، وما ليس منه هو الراهن القابل للتبدل السريع" ومع ذلك فقد كان يرفض أن تفقد القصيدة موضوعها، معناها، بناءها، وعناصرها، فكل ذلك هو ما يشكل قوام أو جسد شعري واضح" (المصدر السابق).
حافظ محمود درويش على معايير احترامه لنصّه وذاته ولم يسقط في مصيدة النفاق والسذاجة التي تبحث عن المديح الهابط عبر هبوط النصّ، أو عبر التواطؤ المضمر مع رغبات القارىء البدائية وإخضاع النصّ لما يحب أن يسمع. وفي سياق هذا الإصرار نجح في بناء حالة من الجدل العميق التي استمرت تحكم حركة التفاعل ما بين النصّ والقارئ.
بهذا المعنى كانت الكتابة الإبداعية عند محمود درويش فعل وتفاعل شامل مع الذات، الواقع، الفضاء، اللغة، الوعي، المعنى، المحدد، الزمن، كانت دائما عملية تغري بالمشاكسة، حالة خلق وولادة مستمرين، بقدر ما تبتعد عن الواقع كانت تحتفظ، وبكل أناقة، بحبلها السُّري معه "لا شيء يأتي من بياض …والقصيدة بلا موضوع لا تكون هشة فقط بل مشغولة بالتحديق بنفسها"(المصدر السابق).
نقرأ محمود درويش فتغمرنا بهجة المفاجأة وكأننا نكتشف ذاتنا وجمالنا لأول مرة، فهو يداعب الأوتارَ الأكثرَ حساسية ورهافة وعمقا فينا، والتي كدنا ننساها في غمرة المآسي والواقع الطاحن ومحاولات المقاومة. عندما نقرأ محمود أو نستمع إليه نستعيد بعضا من توازننا، نكتشف أننا أكثر قوة أو بطولة أو ضعفا مما نعتقد أو مما نحن عليه ومن كل ما تروج له ثرثرات السياسة، ذلك أن البطولة في شعره هي بطولة تلقائية شاملة، والضعف حالة إنسانية لها ذات القدرة على التأثير، " الشعر دائما حليف الخسائر الصغيرة والخيبات…. أعتقد أن صورة طفل يتفرج على جيش الاسكندر فيها شعر أكثر من جيش الاسكندر كله، أو أن العشب الذي ينبت على خوذ الجنود هو الشعر وليست الخوذ هي الشعر… "( المصدر السابق)، فالإنسان قوس قزح يشمل كل أطياف اللون، حيث يتباهى كل لون بجماله المطلق دون أن يلغي أو يغتصب ما عداه، بل يزداد بهاء بتناغمه وتفاعله مع بقية الطّيف، عبر هذه العلاقة تأخذ تفاصيل الواقع أبعادا جديدة وحضورا جماليا لا توفره النزعة الذاتية الضيقة.
ضمن هذه المقاربة يمكن القول أن محمود درويش هو شاعر الانضباط للسياقات، وفي ذات اللحظة صعلوك في التمرد عليها، يملك براعة فائقة الحيوية ومبهرة في إطلاق المعاني الجديدة في السياقات المحددة، مولع بإعادة اكتشاف المعاني في التباساتها ومراوغاتها الإنسانية في حركة الزمان والمكان، يذهب للنهايات ليعيد وعي البدايات، ويذهب للبدايات ليعيد صياغة النهايات، هو شاعر الاحتمالات المفتوحة، أو لنقل… شاعر النصّ المفاجئ، " الكلمة الواحدة تحمل معاني عدة وتكرارها وتغيير حركة واحدة فيها قد يخلقان معاني مضادة.. هذه الإمكانية تحرض أحيانا على رقص مجاني في القصيدة. جميل أن نرقص قليلا" ( المصدر السابق).
عبر هذه الجدلية المولعة في التجريب والاكتشاف احتل درويش، بتأن وإصرار، تلك المساحة المرموقة في الوجدان الفلسطيني وأصبح رافعة ثقافية ساهمت بكل نشاط وحيوية في صقل الوعي والذاكرة الفلسطينيين، وبرهن ببراعة أن الفعل الثقافي من الخطورة والحساسية بحيث لا يجوز تركه تحت رحمة الصدفة والعبث لثرثرات الهواة.
محمود درويش شاعر أدمن التوتر والقلق والرهبة أمام كل نص شعري، لأنه يتعامل مع واقع متوتر وقلق إلى أقصى الدرجات، لم يقع في وهم الرضى عن الذات، رغم أنه كان مشبع بالاحترام، إنه دائم القلق من العلاقة التي تربط نصوصه بالناس، ولهذا كان نصّه قريبا منهم إلى درجة البوح، لكنه بوح راق في بنيته وجمالياته وأبعاده الموغلة في أقاصي الروح الإنسانية في لحظات بهجتها أوغضبها وألمها وتمردها الأزلي، هكذا حضرت الأبعاد الفلسطينية في أعماله دون أن يسقط في الرثائية المحبَطة، ودون أن يهبط بالقضية الفلسطينية إلى مجرد مطيّة للصعود، لم يجعل من الفلسطيني موضوعا للشفقة، بل تعامل مع فلسطين تاريخا ورمزية وشعبا وأرضا باعتبارها البيئة الطبيعية المتفاعلة مع الإبداع والمفتوحة على المطلق الإنساني، إنها حالة وعي في غناها وتشابكها يستحيل معها الفكاك.
لقد تفاعل محمود درويش مع حالة المنفى الفلسطيني ونقيضه حلم العودة باعتباره الفضاء أو المادة الأولية والمدخل نحو كشف الذات الفلسطينية كذات فاعلة ومتفاعلة، وليست مجرد موضوع للفعل، سواء في نكباتها أو مقاوماتها، لقد " صار الفقد هو المعطى الذي يحكم علاقة الفلسطينيين بموطنهم، وفي بنائهم لعلاقاتهم الجديدة مع مجالهم المفقود… وتدخلت قوة الخيال بكثافة في هذه العملية"( محمد نعيم،1996). ولهذا كان من الطبيعي أن يولّد المنفى الفلسطيني ثقافته النقيضة التي لا تقف حدودها عند حق العودة بالمعنى الستاتيكي، بل تذهب بعيدا نحو المستقبل وكأنها تعيد الخلق من جديد. لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلا…" ( درويش، السفير، 2003).
" ولنا بلاد لا حدود لها، كفكرتنا عن المجهول، ضيقة وواسعة.
بلاد… حين نمشي في خريطتها تضيق بنا" ( من قصيدة ولنا بلاد)
الجدل الذي ولدته حالة المنفى الفلسطيني خلقت إطارا نفسيا وثقافيا ألقى بكل تأثيراته على إبداعات محمود درويش الشعرية والنثرية. فالفلسطينيون" اتخذوا من الثقافة، وسيلة للتعبئة والمقاومة، وتأكيد الهوية تحت الاحتلال وفي المنافي … وفي غمرة ذلك يتخلق وجه الثقافة الفلسطينية الجديدة، وتشييد ملامح المتخيل الجماعي عبر الكلمة، القصيدة، القصة، الرواية، اللوحة، الملصق، النشيد، الأغنية…" (محمد برادة، 1990). هكذا أخذت المعاني التي ولدت في سياق هذه المأساة تتحرك في وعي محمود درويش وإنتاجه الشعري لتأخذ مع الزمن واستمرار المأساة تجليات أدبية تذهب عميقا في وعيه الفردي وفي الوعي الجمعي عن الشعب الفلسطيني، لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلّا…" ( درويش، السفير، 2003).
هكذا تخطى مفهوم المنفى معنى الانتقال المباشر في المكان ليتحول إلى أبعاد نفسية وثقافية واجتماعية عميقة، هذا التحول أعاد بناء مفهوم العودة ليصبح إطارا وفضاء يعكس منظومة الأحلام الكبيرة والصغيرة للأفراد والجماعات، لقد أصبحت وظيفة المعنى في سياق واقع الاقتلاع " بناء ملكوت مجرد ذهني فكري قيمي غير قابل للموت بموت الأشخاص ما دام قابلا للتوالد أو التجدد والامتداد، المعنى هو ما يشهره الإنسان في وجه الكوارث، فردية أو جمعية، وفي وجه العالم" (خالدة سعيد، 2008).
"لا ينظرون وراءهم ليودِّعوا منفى،
فإنَّ أمامهم منفى، لقد ألِفوا الطريق
الدائريَّ، فلا أمام ولا وراء، ولا
شمال ولا جنوب.
"لا تتذكروا من بعدنا
إلا الحياة". (من قصيدة لا ينظرون وراءهم).
وبقدر ما كانت هذه العملية المتفاعلة تتحرك في الواقع فإنها كانت تنعكس في نصوص درويش، التي أخذت مع تقدم ونضوج التجربة، تعيد بناء المعنى والنصّ معا. وبهذا المعنى يقول " عندما كنت خارج الوطن كنت أعتقد أن الطريق سيؤدي إلى البيت وأن البيت أجمل من الطريق إلى البيت. ولكن عندما عدت إلى ما يسمى البيت… غيرت هذا القول وقلت: ما زال الطريق إلى البيت أجمل من البيت لأن الحلم ما زال أكثر جمالا وصفاء من الواقع الذي أسفر عنه هذا الحلم" (درويش، السفير، 2008)، وفي ذات السياق يتحرك مفهوم "الوطن" فهو في لحظة “..وطني ليس حقيبة" وفي لحظة أخرى ".. وطني حقيبة"، هذه الحركة الملتبسة والمتناقضة في إبداعات محمود تعكس مستوى الارتقاء والحيوية المذهلة للمعنى في النصّ الذي يبدو ثابتا، وهو ما يؤشر إلى ذلك الصراع والتحول الصاخب في تجربة محمود الإبداعية والعامل الأكثر حسما وراء نجاحه في الارتقاء بالنصّ الفلسطيني ليصبح نصّا إنسانيا عالميا بامتياز دون أن يتنازل مطلقا عن خصوصيته الفلسطينية، ف"المنفى هو الذي عمق مفهوم البيت والوطن، كون المنفى نقيضا لهما" ( المصدر السابق).
" لا وطن ولا منفى هي الكلمات،
بل ولع البياض بوصف زهر اللوز
لا ثلج ولا قطن فما هو في
تعاليه على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابة مقطع
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضباب
عن التلال، وقال شعب كامل:
هذا هوَ
هذا كلام نشيدنا الوطني!"( من قصيدة لوصف زهر اللوز).
إذن، المنفى والعودة، عند محمود درويش حالة تفاعل اجتماعي وإنساني في منتهى العمق، قد لا يدرك البعض أو الكثير، ربما، ثقل هذه الأبعاد في البنية الاجتماعية - النفسية للاجيء الفلسطيني، وبناء على ذلك تجري، عادة، مقاربة مواقف جموع اللاجئين وكأنها مجرد حالة إنفعالية، أو مجرد تعبير عن مواقف سياسية عقلانية أو لا






















