Yahoo!

محمود درويش: المنفى وحركة المعنى في المحدّد!

كتبها nassaribra nassaribra ، في 30 أيلول 2009 الساعة: 09:39 ص

محمود درويش:

المنفى وحركة المعنى في المحدّد!

                                                                         نصار إبراهيم

                                                                       كاتب فلسطيني - مركز المعلومات البديلة

 

"صبرا- تغني نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة

كم مرة ستسافرونْ

والى متى ستسافرونْ

ولأي حلم؟

وإذا رجعتم ذات يومْ

فلأي منفى ترجعون؟

رحلوا وما قالوا

شيئا عن العودة

لا، ليس لي منفى

لأقول: لي وطن

كل هذا الليل لي، والليل ملح

ويكون – بحر

ويكون – بر

ويكون – غيم

ويكون – دم

ويكون – ليل

ويكون – قتل

ويكون – سبت

تكون – صبرا.

صبرا – تقاطع شارعين على جسد

صبرا نزول الروح في حجر

وصبرا – لا أحد

صبرا – هوية عصرنا حتى الأبد."

                          (من مديح الظل العالي)

 

"لماذا تركت الحصان وحيدا؟

أجابه:

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها"

                          (لماذا تركت الحصان وحيدا)

"إن عدت وحدك، قل لنفسك:

غيّر المنفى ملامحه…

ألم يفجع أبو تمام قبلك

حين قابل نفسه

"لا أنتِ أنتِ

ولا الديار هي الديار"

                     (لا تعتذر عما فعلت)

  شكل استهداف فلسطين، كجماعة ومكان وتاريخ وذاكرة، وما ترتب على ذلك من اقتلاع مادي ومعنوى، الإطار والسياقات التي تحكم حركة الإبداع الثقافي الفلسطيني بكل حقولها، بعد أن تحول الفلسطينيون إلى "مجتمع تاريخي من العذاب" (إدوارد، 1981) أصبح المبدع الفلسطيني في مواجهة قاهرة مع ضغط الأحداث المباشر وما تستدعيه من ردود فعل من جانب، ومعايير وشروط الإبداع التي عليها أن تتخطى قيود المباشر السياسي باتجاه كشف وصياغة العلاقات التي تحكم صيرورة الجماعة الفلسطينية في سياق تفاعل ثلاثية الماضي – الحاضر - المستقبل من جانب آخر. هكذا شكلت المأساة الفلسطينية المتواصلة بكل تفاعلاتها وتجلياتها الفضاء والحاضنة لتجربة محمود درويش الإبداعية، وبهذا المعنى فقد" جعل فلسطينيته عنوانا آخر للشعر وحولها إلى ملحمته وميتفيزياه وإشكاله الأنطولوجي" (بيضون، 2003).

 

    تعامل محمود درويش مع مفردات المآسي والنكبات الفلسطينية وما رافقها من معاندة ومقاومات باعتبارها الطينة الطبيعية الأولى التي معها ومنها تتشكل الأبعاد الإبداعية لديه، كان دائما يعود إليها، يعيد قراءتها، يعيد تشكيلها، ليستخرج منها أبهى الصور والمفاهيم الجمالية، كانت هذه العملية، المضنية والممتعة في آن، تعيد صياغة وعيه لذاته وتجربته، وكأنه مع كل مرحلة إبداعية يولد من جديد، أو على حد قوله " هناك شعراء يولدون "بالتقسيط" وأنا من هؤلاء الشعراء. ولادتي لم تتم مرة واحدة" (درويش، السفير، 2003) ،

ستحاول هذه الورقة استكشاف جدل العلاقة بين المنفى كحالة فلسطينية وسياقات التحول في وعي محمود درويش وتحرك المعنى في إبداعاته الشعرية، وفي هذا الإطار سنتابع جدل المنفى والعودة، المنفى كواقع ملموس في المكان، وكحالة تفاعل اجتماعي وإنساني، ذلك أن عدم وعي هذه الخافية في ثقافة وملابسات اللجوء الفلسطيني، يجرد مفهومي المنفى والعودة من بعض أبعادهما الأكثر أهمية.

 

 

احتل محمود درويش ذلك المكان العالي في الوعي الفلسطيني والعربي والإنساني بكل جدارة باعتباره شاعر المقاومة بأبهى تجلياتها الإنسانية والأخلاقية والجمالية، لقد فرض نفسه من خلال ارتقائه وسيره الدائم عند خط المواجهة المتقدم دون أن يفقد لونه أو خصوصيته، ونجح في أن يحمل قضية شعبه إلى أقصى مكان في الكون وأن يقدم الشعب الفلسطيني بأجمل ما يكون، ورغم ذلك لم يهبط بالشعر إلى مستوى المباشر السياسي، بل ارتقى بالوعي السياسي إلى ذروة الشعر، وهو يرى بأن "المقياس الأيديولوجي قد انتفى تماما في علاقتنا بالنصوص الشعرية، ولهذا أصبحنا أكثر حرية في قراءة النص" (المصدر السابق).

لقد حلق محمود درويش بشعره في فضاءات الروح الفلسطينية الإنسانية الشاسعة، عشقا، حلما، أسى، فرحا، غضبا، وحنينا، من ركام المآسي يلتقط شظايا الجمال ويعيد تشكيله، وفي غمرة الفرح لم يفقد خيط الحزن، ماهر في مراقصة المتناقضات، اللغة نبض والنبض لغة، لا يذهب نحو المتخيل أو الافتراضي إلا بقدر ما يحيل ذلك إلى الواقع، غير أنه لم يحول شعره إلى مجرد بيان سياسي فهو دائما مسكون بالبحث عن الحرية سواء بمفهومها المادي أو ببعدها الإبداعي  "… يجب أن نصدق أن الشعر يستطيع أن يتحرر مما ليس منه، وما ليس منه هو الراهن القابل للتبدل السريع" ومع ذلك  فقد كان يرفض أن تفقد القصيدة موضوعها، معناها، بناءها، وعناصرها، فكل ذلك هو ما يشكل قوام أو جسد شعري واضح" (المصدر السابق).

حافظ محمود درويش على معايير احترامه لنصّه وذاته ولم يسقط في مصيدة النفاق والسذاجة التي تبحث عن المديح الهابط عبر هبوط النصّ، أو عبر التواطؤ المضمر مع رغبات القارىء البدائية وإخضاع النصّ لما يحب أن يسمع. وفي سياق هذا الإصرار نجح في بناء حالة من الجدل العميق التي استمرت تحكم حركة التفاعل ما بين النصّ والقارئ.

 بهذا المعنى كانت الكتابة الإبداعية عند محمود درويش فعل وتفاعل شامل مع الذات، الواقع، الفضاء، اللغة، الوعي، المعنى، المحدد، الزمن، كانت دائما عملية تغري بالمشاكسة،  حالة خلق وولادة مستمرين، بقدر ما تبتعد عن الواقع كانت تحتفظ، وبكل أناقة،  بحبلها السُّري معه "لا شيء يأتي من بياض …والقصيدة بلا موضوع لا تكون هشة فقط بل مشغولة بالتحديق بنفسها"(المصدر السابق).

نقرأ محمود درويش فتغمرنا بهجة المفاجأة وكأننا نكتشف ذاتنا وجمالنا لأول مرة، فهو يداعب الأوتارَ الأكثرَ حساسية ورهافة وعمقا فينا، والتي كدنا ننساها في غمرة المآسي والواقع الطاحن ومحاولات المقاومة. عندما نقرأ محمود أو نستمع إليه نستعيد بعضا من توازننا، نكتشف أننا أكثر قوة أو بطولة أو ضعفا مما نعتقد أو مما نحن عليه ومن كل ما تروج له ثرثرات السياسة، ذلك أن البطولة في شعره هي بطولة تلقائية شاملة، والضعف حالة إنسانية لها ذات القدرة على التأثير، " الشعر دائما حليف الخسائر الصغيرة والخيبات…. أعتقد أن صورة طفل يتفرج على جيش الاسكندر فيها شعر أكثر من جيش الاسكندر كله، أو أن العشب الذي ينبت على خوذ الجنود هو الشعر وليست الخوذ هي الشعر… "( المصدر السابق)، فالإنسان قوس قزح يشمل كل أطياف اللون، حيث يتباهى كل لون بجماله المطلق دون أن يلغي أو يغتصب ما عداه، بل يزداد بهاء بتناغمه وتفاعله مع بقية الطّيف، عبر هذه العلاقة تأخذ تفاصيل الواقع أبعادا جديدة وحضورا جماليا لا توفره النزعة الذاتية الضيقة.

ضمن هذه المقاربة يمكن القول أن محمود درويش هو شاعر الانضباط للسياقات، وفي ذات اللحظة صعلوك في التمرد عليها، يملك براعة فائقة الحيوية ومبهرة في إطلاق المعاني الجديدة في السياقات المحددة، مولع بإعادة اكتشاف المعاني في التباساتها ومراوغاتها الإنسانية في حركة الزمان والمكان، يذهب للنهايات ليعيد وعي البدايات، ويذهب للبدايات ليعيد صياغة النهايات، هو شاعر الاحتمالات المفتوحة، أو لنقل… شاعر النصّ المفاجئ، " الكلمة الواحدة تحمل معاني عدة وتكرارها وتغيير حركة واحدة فيها قد يخلقان معاني مضادة.. هذه الإمكانية تحرض أحيانا على رقص مجاني في القصيدة. جميل أن نرقص قليلا" ( المصدر السابق).

عبر هذه الجدلية المولعة في التجريب والاكتشاف احتل درويش، بتأن وإصرار، تلك المساحة المرموقة في الوجدان الفلسطيني وأصبح رافعة ثقافية ساهمت بكل نشاط وحيوية في صقل الوعي والذاكرة الفلسطينيين، وبرهن ببراعة أن الفعل الثقافي من الخطورة والحساسية بحيث لا يجوز تركه تحت رحمة الصدفة والعبث لثرثرات الهواة.

محمود درويش شاعر أدمن التوتر والقلق والرهبة أمام كل نص شعري، لأنه يتعامل مع واقع متوتر وقلق إلى أقصى الدرجات،  لم يقع في وهم الرضى عن الذات، رغم أنه كان مشبع بالاحترام، إنه دائم القلق من العلاقة التي تربط نصوصه بالناس، ولهذا كان نصّه قريبا منهم إلى درجة البوح، لكنه بوح راق في بنيته وجمالياته وأبعاده الموغلة في أقاصي الروح الإنسانية في لحظات بهجتها أوغضبها وألمها وتمردها الأزلي، هكذا حضرت الأبعاد الفلسطينية في أعماله دون أن يسقط في الرثائية المحبَطة، ودون أن يهبط بالقضية الفلسطينية إلى مجرد مطيّة للصعود، لم يجعل من الفلسطيني موضوعا للشفقة، بل تعامل مع فلسطين تاريخا ورمزية وشعبا وأرضا باعتبارها البيئة الطبيعية المتفاعلة مع الإبداع والمفتوحة على المطلق الإنساني، إنها حالة وعي في غناها وتشابكها يستحيل معها الفكاك.

لقد تفاعل محمود درويش مع حالة المنفى الفلسطيني ونقيضه حلم العودة باعتباره الفضاء أو المادة الأولية والمدخل نحو كشف الذات الفلسطينية كذات فاعلة ومتفاعلة، وليست مجرد موضوع للفعل، سواء في نكباتها أو مقاوماتها، لقد " صار الفقد هو المعطى الذي يحكم علاقة الفلسطينيين بموطنهم، وفي بنائهم لعلاقاتهم الجديدة مع مجالهم المفقود… وتدخلت قوة الخيال بكثافة في هذه العملية"( محمد نعيم،1996). ولهذا كان من الطبيعي أن يولّد المنفى الفلسطيني ثقافته النقيضة التي لا تقف حدودها عند حق العودة بالمعنى الستاتيكي، بل تذهب بعيدا نحو المستقبل وكأنها تعيد الخلق من جديد. لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلا…" ( درويش، السفير، 2003).

" ولنا بلاد لا حدود لها، كفكرتنا عن المجهول، ضيقة وواسعة.

بلاد… حين نمشي في خريطتها تضيق بنا" ( من قصيدة ولنا بلاد)

 

الجدل الذي ولدته حالة المنفى الفلسطيني خلقت إطارا نفسيا وثقافيا ألقى بكل تأثيراته على إبداعات محمود درويش الشعرية والنثرية. فالفلسطينيون" اتخذوا من الثقافة، وسيلة للتعبئة والمقاومة، وتأكيد الهوية تحت الاحتلال وفي المنافي … وفي غمرة ذلك يتخلق وجه الثقافة الفلسطينية الجديدة، وتشييد ملامح المتخيل الجماعي عبر الكلمة، القصيدة، القصة، الرواية، اللوحة، الملصق، النشيد، الأغنية…" (محمد برادة، 1990). هكذا أخذت المعاني التي ولدت في سياق هذه المأساة تتحرك في وعي محمود درويش وإنتاجه الشعري لتأخذ مع الزمن واستمرار المأساة تجليات أدبية تذهب عميقا في وعيه الفردي وفي الوعي الجمعي عن الشعب الفلسطيني، لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلّا…" ( درويش، السفير، 2003).

 

 هكذا تخطى مفهوم المنفى معنى الانتقال المباشر في المكان ليتحول إلى أبعاد نفسية وثقافية واجتماعية عميقة، هذا التحول أعاد بناء مفهوم العودة ليصبح إطارا وفضاء يعكس منظومة الأحلام الكبيرة والصغيرة للأفراد والجماعات، لقد أصبحت وظيفة المعنى في سياق واقع الاقتلاع  " بناء ملكوت مجرد ذهني فكري قيمي غير قابل للموت بموت الأشخاص ما دام قابلا للتوالد أو التجدد والامتداد، المعنى هو ما يشهره الإنسان في وجه الكوارث، فردية أو جمعية، وفي وجه العالم" (خالدة سعيد، 2008).

 

"لا ينظرون وراءهم ليودِّعوا منفى،
فإنَّ أمامهم منفى، لقد ألِفوا الطريق
الدائريَّ، فلا أمام ولا وراء، ولا
شمال ولا جنوب.
"لا تتذكروا من بعدنا
إلا الحياة".
(من قصيدة لا ينظرون وراءهم).

 

 

 وبقدر ما كانت هذه العملية المتفاعلة تتحرك في الواقع فإنها كانت تنعكس في نصوص درويش، التي أخذت مع تقدم ونضوج التجربة، تعيد بناء المعنى والنصّ معا. وبهذا المعنى يقول " عندما كنت خارج الوطن كنت أعتقد أن الطريق سيؤدي إلى البيت وأن البيت أجمل من الطريق إلى البيت. ولكن عندما عدت إلى ما يسمى البيت… غيرت هذا القول وقلت: ما زال الطريق إلى البيت أجمل من البيت لأن الحلم ما زال أكثر جمالا وصفاء من الواقع الذي أسفر عنه هذا الحلم" (درويش، السفير، 2008)، وفي ذات السياق يتحرك مفهوم "الوطن" فهو في لحظة “..وطني ليس حقيبة" وفي لحظة أخرى ".. وطني حقيبة"، هذه الحركة الملتبسة والمتناقضة في إبداعات محمود تعكس مستوى الارتقاء والحيوية المذهلة للمعنى في النصّ الذي يبدو ثابتا، وهو ما يؤشر إلى ذلك الصراع والتحول الصاخب في تجربة محمود الإبداعية والعامل الأكثر حسما وراء نجاحه في الارتقاء بالنصّ الفلسطيني ليصبح نصّا إنسانيا عالميا بامتياز دون أن يتنازل مطلقا عن خصوصيته الفلسطينية، ف"المنفى هو الذي عمق مفهوم البيت والوطن، كون المنفى نقيضا لهما" ( المصدر السابق).

 

" لا وطن ولا منفى هي الكلمات،
بل ولع البياض بوصف زهر اللوز
لا ثلج ولا قطن فما هو في
تعاليه على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابة مقطع
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضباب
عن التلال، وقال شعب كامل:
هذا هوَ
هذا كلام نشيدنا الوطني!"( من قصيدة لوصف زهر اللوز).

إذن، المنفى والعودة، عند محمود درويش حالة تفاعل اجتماعي وإنساني في منتهى العمق، قد لا يدرك البعض أو الكثير، ربما، ثقل هذه الأبعاد في البنية الاجتماعية - النفسية للاجيء الفلسطيني، وبناء على ذلك تجري، عادة، مقاربة مواقف جموع اللاجئين وكأنها مجرد حالة إنفعالية، أو مجرد تعبير عن مواقف سياسية عقلانية أو لا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العولمة: جدل الثقافة والتربية

كتبها nassaribra nassaribra ، في 14 أيار 2008 الساعة: 09:07 ص

العولمة: جدل العولمة: جدل الثقافة والتربية

التربية حجر الزاوية في المواجهة والتفاعل

( نشرت هذه المقالة في مجلة رؤى تربوية التي تصدر عن مؤسسة قطان في رام الله)

 

    نصّار إبراهيم

                                                          مركز المعلومات البديلة

 

قبل ثلاثين عاماً ربما لم يكن أحد ليتخيل أن ثورة التكنولوجيا والاتصالات ستبلغ هذا المدى الهائل، وقد لا يتخيل أحد اليوم ماذا وكيف ستكون عليه الأمور بعد عشر سنوات.

 

لقد تحولت ثورة الاتصالات والمعلومات إلى إعصار كاسح يتحرك ويتطور بما يشبه المتوالية الهندسية كماً ونوعاً، وتبدو العملية ضمن سياقاتها المعقدة وكأنها أصبحت خارج السيطرة، وباتت تتحرك بقوة دفع ذاتي مستقل.

 

في العام 1970 أصدر الكاتب الأمريكي ألفن توفلر كتابه صدمة المستقبل، وقد شكل في حينه نبوءة لما نعيشه الآن من عواصف على مستوى: العلاقات، الواقع، الوعي.

 

في حينه تحدث توفلر عن سرعة تدفق المعلومات وكميتها في وحدة الزمن، بحيث أصبح العقل الفردي في وضع العاجز عن الاستجابة، أو استيعاب الكم الهائل الذي يتلقاه من المعلومات.

 

العاصفة التكنولوجية لم تتوقف تأثيراتها ومفاعيلها على الأبعاد المادية لحياة الإنسان وسلوكه، بل اكتسحت مساحة الوعي، بحيث بدت سرعة إحلال المعلومات أو الأشياء واستبدالها مخيفة؛ سواء على مستوى وسائل الحياة اليومية، أم على مستوى الظواهر الاجتماعية، ونجم عن هذه العملية السريعة والمركبة سرعة مقابلة طالت الأشياء والأفكار والسلوك، وهكذا لم يعد المكان كما كان عليه وكذا الزمن، فتصاعدت وتيرة الاغتراب النفسي والاجتماعي.

 

نتحدث عن بدايات الظاهرة قبل أربعين عاماً، حيث لم يكن قد اكتشف بعد الكمبيوتر الشخصي أو شبكة الانترنت أو الفضائيات أو البريد الإلكتروني…

 

فماذا يمكننا القول الآن بعد أن باتت حتى مقولة تحول العالم إلى قرية صغيرة غير كافية لتوصيف الواقع.  إنه في الواقع أصبح أقل وأضيق من قرية، لقد تحول العالم إلى ما يشبه المنزل، حيث بإمكان الفرد ومن غرفة نومه أو حديقة منزله، وفيما هو يحتسي قهوة الصباح، أن يعقد الصفقات التجارية ويدفع فواتير الهاتف والكهرباء، وأن يتابع عملية جراحية في إحدى مستشفيات طوكيو، وأن يقوم بجولة في متحف اللوفر أو مكتبة البنتاغون، كما بإمكانه أن يدير مكتبه وهو على مقعد الطائرة، وكذلك يواصل دراسته الجامعية، بمقدورنا الآن وخلال ثوانٍ أن ننتقل إلى أي مكان في العالم.

 

نعم، يحدث هذا الآن.  لقد اجتاحت الثورة التكنولوجية كل ميادين الواقع والوعي، هذه التحولات المذهلة بكل ميادينها ترتبط بمفاهيم وعلاقات جديدة، إنها تتحرك وفي الوقت ذاته تولد مفاهيمها وعلاقاتها ولغتها وأسئلتها وصعوباتها، غير أن من بين كل هذه المتغيرات احتل مفهوم العولمة مركز الصدارة، إنه المصطلح الأكثر تداولاً، كما هو الأكثر إثارة للجدل والسجال، ولم يبتعد عن الواقع كثيراً ذلك الكاتب الذي وصف العولمة بأنها الغانية التي تدور على موائد الساسة والمثقفين وعلماء الاقتصاد والاجتماع ومنتدياتهم، إنها ضيف دائم يثير التحدي والإرباك أمام الجميع، في هذه المقالة لن نخوض في تعريف هذه الظاهرة، وسنحاول الابتعاد وعدم الوقوع في مصيدة الانحراف المنهجي أو المعرفي الناتج عن إشكالية التمركز حول الذات، أو التخصص: الاقتصاد، الثقافة، الاجتماع، بما يقطع النقاش والمقاربة عن سياقاتها الشاملة، وبالتالي تبدو الرؤية أو التحليل وكأنها نتاج النظر إلى مرآة محدبة لا ترى ذاتها إلا بصورة مضخمة، فمن هذا الإطار علينا التمييز بين جانبين عند التعامل مع ظاهرة العولمة:

 

الأول: العولمة باعتبارها ظاهرة موضوعية تاريخية تعكس بصورة جدلية الحركة التاريخية لتطور البشرية في الحقول كافة، وبالتالي فالعولمة هي نتاج طبيعي لتحولات وحركة التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الفاعلة في المجتمعات البشرية، في إطار تفاعل الزمان والمكان، وبالتالي فهي صيرورة تراكمية متواصلة بالمعنى التاريخي، وهنا لا فرق، سواء أأطلقنا على الظاهرة مفهوم العولمة أم العالمية، المهم أن يكون الأساس واضحاً.

 

الاعتراف بهذه الحقيقة أو المقاربة يعني الاستعداد المعرفي للتعامل مع ما يرافق الظاهرة من تحولات وتناقضات، وبهذا المعنى فإن حركة الظاهرة الطبيعية ليست حركة غائية بحد ذاتها، وبالتالي فإنها قابلة للتفاعل بالاتجاهين الإيجابي والسلبي.

 

الثاني: عملية استخدام مخرجات العولمة الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية واستثمارها، وفي هذا المستوى نصبح أمام عملية واعية وموجهة لها محدداتها ودوافعها وحواملها الاجتماعية.  وبالتالي، فنحن أمام سلوك وممارسة لها مرجعية فلسفية أيديولوجية ومعرفية ترتبط وتعود إلى صراع الطبقات ومصالحها، سواء أكان على المستوى المحلي أم الإقليمي أم الكوني.

 

بهذا المعنى تصبح العولمة أقرب إلى الأيديولوجيا، وتأسيساً على ذلك تصبح عملية الاستخدام عملية موجهة وغائية.  ما نعيشه الآن، ونتيجة لاحتدام التناقضات الاجتماعية والطبقية التي تأتي في سياق الاختلال الشامل في موازين القوى كونياً لصالح الدول الغنية، وأكثر تحديداً لصالح الاحتكارات الرأسمالية، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، هو أننا أمام عولمة تجري عبرها وبواسطتها عملية سيطرة وحشية على الشعوب والأمم، عملية الهيمنة والسيطرة هذه التي تستهدف إحكام قبضة الشركات العابرة للحدود على اقتصاد العالم تقوم، عبر احتكار المعلومات والتكنولوجيا، باستخدام هذا الاحتكار للسيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال أدوات عالمية مثل: صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الجات، مجموعة الثمانية الكبار، وهي ضمن هذه الرؤية والسياسة تستخدم الدولة الرأسمالية القوية لفرض سياساتها كونياً على الشعوب والأمم والدول النامية، هكذا يتحول الاقتصاد إلى سياسة تنحصر أهدافها في خدمة الاحتكارات، والركض وراء الربح الفاحش، ونهب ثروات الأمم والشعوب وتحويلها إلى أسواق استهلاك لا أكثر.

 

وحتى تنجح هذه السياسة، فإنها بحاجة إلى تدعيم هيمنتها بسيطرة عسكرية، بما في ذلك احتكار السلاح النووي، ومنع الدول الفقيرة من امتلاك هذه التكنولوجيا، وأي محاولة للخروج على إرادة الدول الإمبريالية سيواجه بالحصار والعقوبات والحروب.  وبالتالي، فإن الطبقات الحاكمة في الدول الفقيرة والنامية ليس أمامها سوى الخضوع والقبول بدور التابع أو السمسار للدول الغنية، ومن يتجرأ على رفض هذا الدور يتوجب إزاحته وتغييره، غير أن هذه العملية الاقتصادية السياسية لا تتم هكذا ببساطة وسهولة، إذ إنها مطالبة بتقديم ذاتها في إطار شامل ومتناغم على الصعيدين الثقافي والأيديولوجي، إن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المجتمع المدني الفلسطيني والمسألة الديمقراطية

كتبها nassaribra nassaribra ، في 13 أيار 2008 الساعة: 09:13 ص

المجتمع المدني الفلسطيني والمسألة الديمقراطية

 

 

                   نصار إبراهيم

                                         مركز المعلومات البديلة

 

 

  كشف الاقتتال الداخلي الذي عصف بقطاع غزة في الأسابيع الماضية بين حركتي حماس وفتح، وما رافقه من ضحايا، عمق الأزمة التي تعاني منها مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، كما كشف أيضا الصعوبات البنيوية التي تواجهها العملية الديمقراطية في فلسطين، الأمر الذي يشكل فرصة لإعادة النقاش وتحديد المفاهيم انطلاقا من الواقع الاجتماعي/ السياسي/ الثقافي كمرجعية  للتحليل وليس التخيلات والأوهام.

  جذر المشكلة في تناول مفهوم المجتمع المدني الفلسطيني تكمن في قفز العديد من الساسة والمثقفين عن الخصوصيات السياسية والاجتماعية التي تشكلت بالمعنى التاريخي في الواقع الفلسطيني.

   فالمجتمع المدني، هو مفهوم اجتماعي تاريخي يرتبط بتطور المجتمع، وبصورة أكثر تحديدا إنه يعود إلى تشكل الأمة الحديثة والدولة الحديثة، حيث تشكلت الدولة القومية الحديثة كاستجابة موضوعية وذاتية للتحولات والتناقضات الاقتصادية والاجتماعية التي حملتها الثورة البرجوازية الديمقراطية في أوروبا، والتي يكمن جوهرها في انتصار البرجوازية وسيطرتها على الدولة كأداة سيطرة طبقية.

  هذا التحول وضع المجتمعات الأوروبية والقوى السياسية والاجتماعية أمام أسئلة وتناقضات جديدة تفاعلت معها بعمق في محاولة لإدارة التناقضات وضبطها، الأمر الذي يشكل البيئة الموضوعية لقيام وتطور مؤسسات المجتمع المدني كبنى وسيطة بين البنى الاجتماعية الطبيعية أو العضوية{ الأسرة، العشيرة، الطائفة…} وبين الدولة كأداة سيطرة شمولية، وذلك بهدف الحد من الإجحاف والظلم الذي تلحقه الدولة ببعض الفئات والقطاعات الاجتماعية، ولهذا وجدت تلك الفئات نفسها أمام ضرورة الانتظام في بنى ومؤسسات على أساس الدفاع عن المصالح المشتركة لها بغض النظر عن انتماءاتها الطبيعية.

  إذن، الشرط الموضوعي لبناء مؤسسات المجتمع المدني يتجلى في وجود الدولة القومية أو الوطنية وسيادة النظام الديمقراطي، أي قبول جميع الأطراف بأسس وقوانين اللعبة الديمقراطية في إطار هذه المعادلة التي تتشكل تاريخيا واجتماعيا في سياق التطور الإجتماعي.

  وبالعودة للواقع الفلسطيني انطلاقا من هذا الفهم، نجد أنفسنا أمام معضلات عميقة، تبدأ بنقاش  فرضية وجود المجتمع الفلسطيني بشكل عام والمجتمع المدني بشكل خاص، حيث التمزق والتشتت وتشكل مجتمعات فلسطينية في سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية متباينة {الشعب الفلسطيني في الضفة، ثم في قطاع غزة، فلسطينيو 48، ثم الشتات الفلسطيني الخاضع لتجارب وأنظمة وبيئات إجتماعية وسياسية مختلفة}.

وحتى لا يذهب بنا النقاش إلى متاهات معقدة، فإننا سنتوقف أمام المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، وذلك بحكم إستمرار هذا الجزء من الشعب الفلسطيني على أرضه وخضوعه لذات السياقات والشروط السياسية/الاجتماعية/والاقتصادية.  هذا الجزء من الشعب الفلسطيني يواجه خصوصية أساسية تتمثل في الاحتلال، الذي يهيمن ويسيطر على كل مقدرات الضفة والقطاع، إضافة إلى غياب الدولة الفلسطينية، هذا الواقع الموضوعي يشكل شرطا لقراءة ووعي تجارب الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، وبكلمات أخرى، لقد تشكلت ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني كبنى سياسية/ اجتماعية، هدفها الأساسي مقاومة الإحتلال ولم تتشكل بالأساس للدفاع عن مصالح الفئات أو القطاعات الاجتماعية لمواجهة قهر جهاز الدولة الوطنية.

  في ضوء وع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المنظمات الشعبية الفلسطينية:

كتبها nassaribra nassaribra ، في 13 أيار 2008 الساعة: 08:16 ص

المنظمات الشعبية الفلسطينية:

بطولة سياسية وتهميش اجتماعي

 

   نصار إبراهيم

 

 

  ارتبط تبلور و نشوء المنظمات الشعبية و القوى السياسية في فلسطين بخصوصية الواقع الفلسطيني، وبالتالي فان التحديات والأسئلة التي واجهتها ولا تزال تختلف نوعيا عن التحديات والأسئلة التي تواجه أي منظمات شعبية نشأت في سياق من التطور الطبيعي لآي مجتمع .

فبعد نكبه الشعب الفلسطيني عام1948 وتشرد ملايين الفلسطينيين كلاجئين،وقيام دولة إسرائيل ، ثم الاحتلال الإسرائيلي الكامل لفلسطين اثر حرب حزيران 1967، وجدت الحركة الشعبية والمنظمات الجماهيرية [ الطلاب، العمال، المرأة، الكتاب] نفسها أمام مهام سياسية كبرى،تركزت على حماية الهوية الوطنية الفلسطينية و النضال من أجل إنهاء الاحتلال و إقامة الدول الوطنية المستقلة .

هذه الحقيقة جعلت من تلك المنظمات الشعبية الحاضنة التي ولدت من رحمها القوى والأحزاب السياسية [ فتح ،الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الحزب الشيوعي ...] .

من هنا فان المهمة الأساسية للمنظمات الشعبية وأولوياتها تركزت على النضال السياسي، أما البعد الاجتماعي فكان يأتي ثانيا أو  عاشرا.

ولهذا أصبحت تلك المنظمات ميدان تنافس وصراع سياسي حاد بين القوى والأحزاب السياسية الفلسطينية، لأن نفوذ تلك القوى ومدى تأثيرها، وبالتالي وزنها الوطني كان يقاس بمدى قدرتها على الانتشار والسيطرة في المنظمات الشعبية والحركة النقابية، ترتب على هذه الحقيقة حالة انحراف تاريخي في دور الحركة الشعبية والمنظمات الجماهيرية، أول مظاهر هذا الانحراف التركيز على البعد السياسي دون البعد والمهام الاجتماعية، والثاني قيام الأحزاب السياسية الفلسطينية اليمينية واليسارية بتشكيل نقاباتها ومنظماتها الجماهيرية الخاصة ، الأمر الذي أدى إلى حالة من التبعثر والتشتت، وثالث هذه المظاهر اتساع سلوك الهيمنة والتفرد الأمر الذي أدى إلى مصادرة استقلالية المنظمات الشعبية وضرب جوهر خصوصيتها ودورها الاجتماعي من قبل القوى السياسية المهيمنة عليها وعلى قيادتها.

ساهم في تعميق هذا الانحراف سياسة الاحتلال الإسرائيلي الذي قام وعبر عقود متواصلة بتغذية حالة التشويه والاختلال في بنية المجتمع الفلسطيني وتبعا لذلك تشويه واقع حركته الشعبية. المقصود بذلك حالة القمع والقهر السياسي التي جسدها سلوك الاحتلال اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، والتي تجلت على شكل محاولة مستمرة لتغذية روح الانتهازية عند المنظمات الشعبية في محاولة لجذبها بعيدا عن النضال السياسي ودفعها باستمرار لزاوية الأدوار الاجتماعية الهامشية، وفي ذات الوقت إتباع سياسة قمعية فاشية ضد القوى والتنظيمات السياسية الفلسطينية. غير أن هذه السياسة جاءت بنتائج معاكسة والسبب يعود إلى قوة ودينامية التحديات والتناقضات الموضوعية التي تحكم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولهذا وبقدر ما كانت القوى والتنظيمات السياسية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القلم المكسور!

كتبها nassaribra nassaribra ، في 11 أيار 2008 الساعة: 15:47 م

 

 

   القلم المكسور!

 

 

 

 

 

          نصار ابراهيم   

 

     شباط-2003   بيت ساحور

 

جلس كعادته عندما يقرر الكتابة، أمامه دفتر الأوراق البيضاء المسطرة، قلم حبر، محبرة ..منفضة سجائر..

 

 إحساس غامض كان يضغط على صدره وهو يتوجه إلى طاولة الكتابة… لم يكن ذلك لسبب خارجي. نافذة المكتب واسعة، مضيئة، فصل الربيع يشيع البهجة.. ولكن لم هذا الانقباض الداخلي المضني!؟

 

  أمسك بالقلم وجلس صامتا، الأفكار أو مشاريع الأفكار حاضرة في الرأس، ومع ذلك بدا ككاتب مبتدئ وحائر..

 

   لم يكن الأمر هكذا بالضبط..كان ينحني متكئا على الطاولة، رجفة خفيفة تهز يده، القلم ثقيل ومرتبك..

 

  أعوام وراء أعوام وهو يكتب، لم يتصرف كمحترف،مع أن ما يكتبه يحظى بالاحترام والتقدير.عيناه، أفكاره، عراكه الدائم مع تفاصيل الحياة يزوده  بزوايا مذهلة للكتابة. يلتقط الهمسة ما وراء الصرخة، يحس بثورة الروح في أعماق الصمت. يستنطق لحظات الموت والولادة، ارتعاش الزهرة،انكسار الظلال البعيدة…كل ذلك يعطيه شحنة من الرهافة. يحاول أن يكتب بصدق. لم تكن الكتابة بالنسبة له عملية طلاء جدران، بل نوع من فيض واستكشاف. دراما نابضة . يستغرق معها في الفعل والإنسان عبر علاقة الصراع والتآلف،النهوض والاندثار،النصر أو الهزيمة. كان جزءا مما يكتب. الكومبارس له أهمية الشخصيات الأولى. يكون  قبل الكتابة شيء وأثناءها وبعدها يكون إنسانا آخر. هكذا يتعامل مع الكتابة كإعادة خلق وفعل وليس تصويرا رتيبا منهكا…

 

 بقي ممسكا بالقلم لأكثر من نصف ساعة، رفع رأسه ببطء، سرح بنظره عبر النافذة.. المشكلة لم تكن هناك، حيث تتناهى من بعيد مشاكسات الأطفال، ونبض الواقع بحرارته وصدقه..

 

  انكسر نظره عائدا نحو الغرفة، جال على رفوف الكتب، سافر بين عناوينها. حاول أن يتذكر الفكرة أو الموضوع الرئيسي لبعضها…

 

  انبثق في رأسه سؤال غامض: ما الذي جرى لي ؟ لماذا هذا الضياع؟!! كانت الأفكار تسابق القلم، تندفع، الأحداث والرموز تأخذ مواقعها بسهولة، أما الآن فتبدو هائمة ومشوشة…

 

  إحساس ثقيل يعيقه عن التنفس الطبيعي، شعر بأنه محاصر في غرفة ضيقة بلا أبواب أو نوافذ، سقفها من الزجاج السميك، وشيئا فشيئا تبدأ المياه بالتدفق البطيء من مكان ما. يرتفع منسوبها.. ينظر إلى السقف، تبدو السماء مشعة، تسافر غيومها برقة وحرية.. ترتفع المياه، تغمر قدميه، تصل إلى ركبتيه، إلى خصره، ترتفع وترتفع ببطء ساحق..يبحث عن الهواء، يحملق في الفضاء الأزرق..يمر رف حمام عابث، قريب جدا، وبعيد إلى آخر الكون.. المياه تلامس عنقه.. ترتفع.. تداعب ذقنه.. يحاول أن يصرخ.. الحرية على مسافة سنتمترات، لكنها مستحيلة.. المياه تغمر فمه، تصعد، تدغدغ أنفه، تغمر نصف عينيه.. يقاوم بيأس.. عيناه لا تفارقان السماء الزرقاء المضيئة.. لا جدوى. يرتخي ويترك لجسده الحرية فيعوم كجزء من الماء…

 

  نفض رأسه، عاد إلى واقع النافذة الواسعة أمامه.. الأشجار مشغولة بشؤونها وتفاصيل يومها..يجلس صامتا، جسده ثقيل كالرصاص، القلم جامد عند بداية الصفحة البيضاء وكأنه هناك منذ عشرين عاما، يغطيه الغبار والصمت…

 

    الزمن.. نعم، الزمن، أخذ يردد الكلمة دون أن يزيح نظره عن المدى البعيد. توالي الأيام. الانخفاض الذي لا يتوقف في منسوب ساعة العمر الرملية. يندفع الإنسان، يناطح دون أن يلاحظ تسرب خيط الرمل الدقيق. كل شيء يشيخ بصورة متواصلة، فيما يواصل التحايل والتصرف وكأن شيئا لم يتغير.. فجأة ينتبه، فإذا به يجلس وحيدا صامتا، لا تطاوعه يداه، القلم يشعر في يده بالغربة، يحاول أن يدفع به على الصفحة المصقولة ليواصل الركض.. لكنه لا يستجيب، انه يبتعد وينفصل عنه بالتدريج..

 

  أحس بالنعاس يسيطر عليه، نظر إلى يده الجافة التي تختلج بحركات لا شعورية..

 

  ولكن لا زال في الرأس ما يقال. مر بيده اليسرى على رأسه ببطء. لا زال يفكر. يرتب الملامح والأحداث. يدفع الشخصيات الحقيقية والمتخيلة لممارسة حياتها أو جنونها، إلا أن ذلك لا يتحول إلى فعل كتابة مقنع، مباشر وسهل..

 

  خمسة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اخبار ثقافية

كتبها nassaribra nassaribra ، في 11 أيار 2008 الساعة: 15:34 م

كلمة  الكاتب نصار ابراهيم في افتتاح معرض الفنان التشكيلي  يوسف كتلو  في يافا29 /5/2008

صباح الخير يا يافا!

أيها الأصدقاء الأعزاء سلاما..

  من هنا، من مسافة تمتد على مرمى النظر، من مسافة قريبة وبعيدة كأنها المستحيل، أنحني أمام يافا عشقا وهي تغسل أقدامها عند شاطيء البحر وتنتظر، أشم ضفائرها… وأنتظر.

  إلى يافا وشقيقاتها شمالا وجنوبا سلاما. مع طائر الوعد نأتيكم وأنتم تراقبون رحيل النوارس وعودتها كل مساء.

 في هذه الليلة، تعربشت كطفل خيوط اللون والضوء لأصل إلى قمة الصاري، إلى المدى المطلق، أبحث في عتمة الليل عن ومضة ضوء بهيج، فكانت يافا وأنتم كآلهة الكنعانيين عنفوانا وعنادا وجمالا.

 نحن الليلة معكم بما تيسر من لون وضوء وثقافة، لم تمنعها الحواجز الحمقاء وغباء القوة من الوصول. مع لوحات الصديق يوسف كتلو نعبر المسافة المحرمة، ونحط الرحال على شواطيء مدينة أدمنت الكرامة وزراعة الياسمين وإعلان الحضور، مدينة شاسعة العينين، مع الفجر تراقص شتلة برتقال.

  نساء ورجال، أطفال وعصافير في لحظة الحزن استنجدوا بالأرض وبالإنسان وبالله، ونهضوا يدافعون ما شاء لهم الله. إذن، أنتم المطلق وما سواكم نسبي.

 امرأة يافاوية كأنها القدر، وقفت بكل جلالها تعانق أبعد نجم في السماء، ترسل بصرها عبر نافذة مشرعة على البحر، وصباحا تمارس طقوس الخلق لذاكرة تأبى الإنصياع.

   نحن، في مركز المعلومات البديلة، أمامكم نعلن إنسانيتنا، نعيد تأكيد رسالتنا، هنا حيث تلتقي الأرض بالسماء، نواصل البحث عن أفق يحترم الإنسان والكرامة، يرفض ثقافة الموت والعزل والحصار واغتيال الذاكرة، سنقاوم معا، عرب ويهود، سياسة الإلغاء ونف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بطاقة هوية!

كتبها nassaribra nassaribra ، في 11 أيار 2008 الساعة: 08:56 ص

بطاقة هوية!

                                نصار إبراهيم

     

    قرية منسية على قمة أحد التلال المتناثرة حول مدينة الخليل، حيث الطبيعة البكر تتعربش هناك منذ فجر التاريخ، ترسم تاريخها بذاتها، بسمرة أبنائها وجرأتهم. ينحتون الصخر. يحرثون الأرض. يتناسلون. يثبتون وجودهم كحنّون الأرض كل ربيع. ومع دورة الفصول التي لا تنتهي.

    "أبو محمد" جزء من الذاكرة وخطوط الأرض. عجوز صلب، مشاكس عندما يريد، هادىء رقيق عندما يشاء. ماكر كالطبيعة. ذاكرة حادة كالشفرة. هكذا يصفونه. ولكن عندما يريد. يتذكر أيام الأتراك. أيام الفقر والجهل والخوف والهروب المستمر. يقول:

- ماذا رأيتم أنتم من قساوة الحياة؟ كنا نلتقط حبات القمح أو الشعير من روث الخيل ونأكلها! كنا نخفي رائحة التبغ عن زوجاتنا، نزرعه في زوايا الأودية السحيقة حتى لا يكتشفه درك الأتراك. نهرّب الشباب حتى حدود البحر الميت. كانوا ينامون في الكهوف، يرافقهم عواء الذئاب وجئير الضباع.

    تفاصيل لا نهاية لها يتذكرها أبو محمد، يرويها بحماسة ووضوح.

 ثمانية عقود مرّت عليه، تركت بصماتها على جبينه. يجلس أمام الدار، في الحوش، سبحته في يده. يلف سيجارة تبغ عربي ثقيل. يتمدد في أشعة الشمس ويغفو.

نادرا ما كان يغادر البلدة. انه يكره الابتعاد عن المكان المألوف. القدس أو حتى الخليل تبدو بعيدة. مدن ثقيلة غير مفهومة بالنسبة له.

    عندما لا يجد مفرا من السفر إلى الخليل أو القدس يتأفف. يتنهد. يرتدي قمبازه وكوفيته بفتور وملل.

  - يا "أم محمد"، هل من الضروري أن أذهب؟! ألا يمكنك الذهاب وحدك، أو الطلب من أم شاهر أن تحضر لك ما تريدين؟!

-       يا رجل، لماذا هذا الضجيج واللغو؟ ما المشكلة في أن تذهب وتغير الجو، وفوق هذا تصلي في الأقصى؟ هذه نعمة يا رجل.

يشعر أبو محمد ألا جدوى من النقاش، فالنتيجة محسومة. هو لا يحب أن يكسر بخاطر زوجته، رفيقة عمره الطويل، وأم عياله المنتشرين كالجراد.

 

*         *         *

 

    الثامنة صباحا تتحرك البوسطة.

عقد أبو محمد يديه خلف ظهره وانحدر إلى نقطة التجمع. لا يذكر متى كانت آخر مرة زار فيها الأقصى. هل كان ذلك عام 1975، أم الذي قبله؟

    التقى بالجمع المسافر: الله يصبّح الجميع بالخير!!

-       يا هلا أبو محمد. من زمان لم نرك يا ختيار.

خليط من الناس، بعضهم يعرفه والآخر لا يذكره. بعضهم صغار السن لا يعرفهم. ثغاء ماعز وخراف. ديك يرفرف بجناحيه مثيرا زوبعة من الغبار والريش.

    استقر الجميع في البوسطة. باص قديم، بالكاد يستطيع الإنسان أن يميز لونه الأصلي، مدخنته تطل من الخلف، تنفث دخانها الأسود.

    انحشر الجميع في المقاعد وفي الممر. أحاديث صاخبة. أحدهم أشعل سيجارة "هيشي" فعبق الباص برائحة التبغ الحادة والأليفة.

صاح أحد الشباب:

-       يا فتاح يا عليم. أطفئ السيجارة يا "أبا حسّان". إننا لا نستطيع التنفس.

-       أسكت يا ولد. لا تتدخل في شؤون غيرك!

جاء الرد واضحاً وحاسماً.

    حشر أحدهم جدياً في حضن أبي محمد وهما يتبادلان الحديث بصوت صاخب.

-        إن شاء الله أسعار "الحلال" جيدة هذا اليوم.

-       والله لا أدري، ولكن الموسم جيد، والأسعار يجب أن تكون جيدة.

 

*      *      *

             

    البوسطة تواصل سيرها واهتزازها. التلال تمر. حقول القمح والشعير الأخضر. بعض البيوت المتناثرة على السفوح. أطفال يتراكضون في أي اتجاه.

    بين وقت وآخر تزعق فرامل الحافلة وتتوقف. أحد القرويين يقف في عرض الطريق الترابية. يصعد الى الحافلة. يدفع الذين يتزاحمون أمامه. يلقي تحية الصباح ويمسك بالماسورة الممتدة في سقف الحافلة من آخرها حتى أولها. تتحرك الأجساد. تتأرجح مع حركة الحافلة.

إمرأة تمسك بطرف منديلها الأبيض بين أسنانها، تحضن طفلاً صغيراً يحاول أن يلصق وجهه بزجاج النافذة. أحياناً يحاول أن يمد يده إلى الخارج، فيصرخ أحدهم :

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحذاء!

كتبها nassaribra nassaribra ، في 11 أيار 2008 الساعة: 08:54 ص

الحذاء!

 

        

نصار إبراهيم

 

 

ربما هي مجرد نكتة ذكية. لكنها أصبحت حكاية. حكاية كل الناس.

 

*  * *                                             

 

  لم يعرف أحد لماذا أصر نزار على الذهاب إلى رام الله.. الوضع لا يشجع على ذلك. الحواجز العسكرية. الإهانات. السير المضني عبر التلال والحواجز الترابية. إلا أن نزار وبعناد العمال أصر على ذلك. هناك مسألة يجب إنهاؤها في رام الله, يجب السفر " سأتحمل الطريق..لقد تعودنا على ذلك.. أصبحت طبيعية. لم يدرك الإسرائيليون أنهم حولوا كل ما هو غير طبيعي في حياتنا إلى أمر طبيعي.. وغير ذلك ما العمل!؟ هل نجلس حتى الموت؟ ماذا سننتظر؟".

  

 استقل السيارة ومضى. يجب أن يصل إلى رام الله. لا حل آخر.

    السيارات تمضي بين التلال. كيلومتر على الطريق المعبدة ومثلها عبر الطرق الترابية. يرسل نزار بصره إلى التلال: دائما يجد الناس طريقة للالتفاف.. الطرق الالتفافية علمتهم الالتفاف. الالتفاف على الحواجز, الأوامر, التعب, اليأس. انهم مثل أسراب النمل التي تجد دائما مخرجا وطريقا  عندما تسحق بيوتها ودروبها.. إنها مبدعة في الالتفاف, التكيف والمواصلة..

  تستغرق أياما وهي تحفر بأفواهها وأرجلها الدقيقة. تحمل حبات التراب تدحرجها بعيدا. تفتح ثغرة صغيرة لكنها كافية لتواصل طريقها وكأن شيئا لم يكن. ربما بعد دقيقة يدمر أحدهم صدفة أو عن قصد الفتحة الصغيرة..تقف أسراب النمل , تحرك قرون استشعارها بألم وحزن, تتأمل المشهد, تتزاحم, تندفع من جديد وتبدأ العمل.

  على الدروب المتربة, يبدو الناس كتل صغيرة سوداء تتحرك في خيوط, تتعرج, تقف, تمشي, تتقدم, تتراجع. أسراب من البشر يتعربشون أي شيء ليصلوا . كأنهم يسيرون في جحيم دانتي , أو على الصراط المستقيم. يتزاحمون, يتسلقون, يقفزون من فوق الحواجز الترابية.  بعد ساعة قد تغلق الجرافات العملاقة مسارب النمل الجديدة بالصخور والتراب والحواجز الإسمنتية, تقف الكتل السوداء الصغيرة, تتأمل.. تلتف حول ذاتها, حول عذابها, حول العرق والدموع.. ومع ذلك تجد طريقها من جديد,تخترعها, تكتشفها..وتواصل عنادها الأزلي..

  نزار يمضي كغيره, يتسلق مسارب النمل الدقيقة على التلال, يشتم, يغضب, تتقرح قدماه, يسقط, ينهض, يمسك بيد عجوز ويصعدان معا.. يجب أن يصل إلى رام الله . ربما نسي في تلك اللحظة لماذا يريد الذهاب إلى رام الله. لم يعد لذلك أهمية. لقد أصبح الوصول بحد ذاته هو الهدف. القدرة على العناد, إثبات الذات, ولهذا فان مجرد الوصول هو نوع من انتصار, وهذا يكفي..

  حواجز, بنادق, جنود, تدقيق هويات, انتظار, شتائم وإهانات.. الزمن يمضي بطيئا, حارا, ومتربا. كل شيء يختلط بكل شيء. التراجع والتقدم لهما ذات المقدار من العذاب. في الخلف حواجز وإهانات وفي الأمام أيضا.. إذن للأمام. ألم الوصول و الإنجاز في مواجهة ألم الانكسار, معادلة بسيطة, واضحة. شعب بكامله يلتف, يتخطى المنطق ليحفظ لذاته منطقها. البقاء أولا  وإلا الموت.

  نزار يسبح في خيالاته, يتسلق خيطا من أمل في إيقاع رتيب مع قدميه. كل تلة , حاجز يتخطاه إنجاز يغذي  عناده وهو يتسلق التلة التالية. يضحك ليصمد. حينها يبدو وكأنه اسعد إنسان. لحظتها, لحظة الضحكة الصافية تلك يكون فعلا سعيدا.

  لا يتوقف عن المراوغة. من سيارة لأخرى. من تلة لجبل. من حاجز لآخر.. يقترب, يصعد, ويصعد. الطريق تنساب صعودا, تتلوى وتعاند كالقدر. استرخى على مقعد السيارة لا يشغل باله شيء.

  ست ساعات منذ الفجر. ليست بالزمن الطويل, يفكر وهو يبتسم, بعضهم يقضي عشر ساعات حتى يصل إلى النقطة التي وصل إليها, حتى ينجز ما أنجزه. يقترب من الحاجز الأخير أمام  مخيم قلنديا. بقيت خطوة واحدة ويكسب الحرب!!

  سيارات..سيارات.. رتل يمتد ويمتد مع الإسفلت. أبطأت السيارة ثم توقفت في ذيل الصف. فتح الباب ونزل. ألقى نظرة فاحصة. أسراب النمل تتحرك بين السيارات والغبار على جانبي الطريق. ذهابا وإيابا, نساء, أطفال, شباب, شيوخ, باعة, طلاب, حمير, أصوات, صراخ, همسات, دعوات. خليط مدهش من الناس, النمل, الألم, التراب, الإصرار, الغبار, والحياة.

  ترك السيارة وتقدم.. انضم إلى الزاحفين للأمام. مرت سيارة سوداء نظيفة مثيرة زوبعة من الغبار. تخطت الجميع, فلاحقتها العيون والشتائم..

  الشمس تصلي الرؤوس , العرق المالح يسري على الأعناق, يغمر العيون, ومع ذلك لا بد من الاستمرار.

  يمشي نزار بإصرار, تلتقط أذناه جمل وأنصاف جمل:

  " انهم لا يسمحون لأحد بالمرور, فقط من يحمل تصريحا من الإدارة المدنية".

  " يجب أن أصل إلى رام الله, تصريح بدون تصريح لن أعود" .

   اقترب من الحاجز. وقف أمام المكعبات الإسمنتية. بعض الجنود يتكئون عليها. جنود لا تتجاوز أعمار بعضهم الثمانية عشر عاما.. لم تنبت شواربهم بعد.. أمامهم مئات الرجال والنساء ينتظرون , يأملون, يحاولون استدراج الجنود بكل ما لديهم من قوة للسماح لهم بالمرور.. ولكن دون جدوى. الرجاء, الدموع, السن, المرض, كراريس الجامعة, كل ذلك لا يجدي.." ممنوع يعني ممنوع".

  يشتد التزاحم , الضغط. يلقي أحد الجنود قنبلة غاز تنفجر بدوي مكتوم بين الجموع.. ركض, سعال جماعي, إغماء, بكاء..دون جدوى.. ممنوع يعني ممنوع.

  من جديد عاودت الجموع زحفها.  تقدم نزار. وقف أمام مكعبات الأسمنت, ثم خطا بإصرار باتجاه الممر الضيق.!

-         هيه! أنت إلى أين, قف!

-         أريد أن أمر!

-         هل تحمل تصريحا؟

-         -لا, ليس معي تصريح.

-         -إذن, عد للخلف, ممنوع.

-          لكن يا" خواجة" ضروري أمر, لقد أتيت من بعيد, وعندي شغل ضروري.

-          لا يهمني. ممنوع. عد للخلف وإلا أطلقت النار.

-        

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السيرة الذاتية

كتبها nassaribra nassaribra ، في 10 أيار 2008 الساعة: 20:05 م

نصار إبراهيم

 

السيرة الذاتية

 

 

الإسم: نصار رشيد إبراهيم

مكان الولادة: فلسطين

تاريخ الميلاد: 20-8-1953

مكان الإقامة: بيت ساحور

العمل : مركز المعلومات البديلة/ بيت ساحور

متزوج وله ابنتان

 

*المؤهل العلمي: شهادة الجدارة في علم الاجتماع من الجامعة اللبنانية، ويتابع برنامج الدراسات العليا لنيل شهادة الماجستير في "التعاون الدولي والتنمية" في جامعة بيت لحم.

* عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

* عضو في موقع القصة العربية الإلكتروني / عنوان الموقع: www.arabicstory.net

 

*اللغات:  - اللغة العربية

           - اللغة اليونانية

           - الانجليزية

   

* مدير  مركز المعلومات البديلة

* مدير " مركز جدل للثقافة والتنمية" الذي تأسس عام 2001 في بيت ساحور.

 

*رئيس تحرير المجلة السياسية الثقافية الفصلية "رؤية أخرى" التي تصدر عن" مركز المعلومات البديلة" كما أنه يشارك في رئاسة تحرير المجلة الانجليزية الشهرية التي تصدر عن نفس المركز:News From Within ويكتب فيهما بصورة منتظمة.

 

* أمضى الكاتب ما يقارب ثلاثين عاما في اليونان،دمشق، وبيروت ، وفي الفترة من 1994- 1998 تولى في دمشق رئاسة تحرير مجلة " الهدف" التي أسسها في بيروت عام 1969 الأديب الفلسطيني المعروف غسان كنفاني.

 

الإصدارات:

 

1-  "الدور الاجتماعي البنيوي للعمالة الفلسطينية في الاقتصاد الاسرائيلي"( دراسة تحليلية نقدية) – صدر الكتاب في دمشق عام 1997 عن دار كنعان للطباعة والنشر ويقع في 112 صفحة.

2-  " اغتيال كلب" المجموعة القصصية الأولى باللغة العربية صدرت عام 2003 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

موسيقى

كتبها nassaribra nassaribra ، في 10 أيار 2008 الساعة: 17:45 م

الموقع تحت الانشاء

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي