Yahoo!

جريمة “شرف”! (قصة قصيرة)

تشرين الأول 1st, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , أدب, غير مصنف

جريمة "شرف"!

 (قصة قصيرة)

نصار إبراهيم

           نيسان-2003

  

 يجلس وحيداً في زاوية المقهى. وضع رأسه بين يديه واتكأ بمرفقيه على الطاولة الخشبية المزينة بحروق أعقاب السجائر.

مقهى رخيص، زجاجة عرق رخيصة، علبة سجائر رخيصة، وأغنية رخيصة تلعلع في الفضاء، ورجل ينوس برأسه وهو ينفث الدخان بكآبة.

    المقهى يضجّ بشتائم لاعبي الطاولة وضحكاتهم. رجل عجوز يتكيء بذقنه على طرف عصاه يراقب حبتي الزهر تقفزان بعصبية على رقعة الطاولة.

يتناهى من الشارع زعيق السيارات، صراخ الباعة وصافرات شرطة المرور التي لا نهاية لها.

 

                        *               *               *

 

    أدار العرق رأس الرجل…

    " ما الذي فعلته يا ياسر الشعلان؟ كيف حصل ذلك؟ إنني أحبها كما لم أحبّ إنساناً في العالم، وجودها، ضحكتها، عناقها لي… راقبتها وهي تكبر أمام عينيّ، كنت قريباً من همسات روحها وأعماقها… ملأت عالمي بالأماني والحكايات والأسئلة التي لا نهاية لها… راحت تكبر كشجرة حور…"

    " في الحقيقة لم أعد أحتمل أن أراها تنضج وتغادر براءة الطفولة لتدخل براءة المراهقة استعداداً لاقتحام عالم المرأة المليء بالإصرار والأسرار والتمرّد والبحث عن الذات… أو اكتشافها…

    لم ألحظ تلك اللحظة الفاصلة التي فكّت فيها الشريط الأبيض الذي يزيّن نهاية ضفيرتها المترددة على ظهرها… لتطلق أمواج ليلها بكل صخبها وعنفها وأنوثتها… قدرها جعلها تبقى في نظري أقرب للصورة الفوتوغرافية الثابتة… تبهت الصورة، تصفرّ، تتكسر، يبصق عليها الذباب وهي هناك على جدار الغرفة… الوقفة ذاتها، الوجوه البلهاء ذاتها… الابتسامات المصطنعة ذاتها… والنظرة المستقيمة كعود يابس… لا علاقة لكل ذلك بنهر الزمن المتدفق في اتجاه واحد، نكبر، نشّب، نتزوج، يشيب شعرنا، ينخر السّوس أسناننا، تحيط التجاعيد  عيوننا، تنحفر الأخاديد على جباهنا، ومع ذلك نستمر في محاولة القفز بذات الخفة، من فوق ذات الجدار الذي يرتفع متراً ونصف، لنجد أننا لم نعد قادرين على ذلك، فترتطم مؤخراتنا بالأرض… نتلفت حولنا بخجل، ثم ننهض وذيولنا بين سيقاننا ككلاب مهزومة…"

    " نعم  كان عليّ أن أفعل ذلك  بلا تردّد… لم أحتمل ما أراه… بدأت همسات الجيران تصلني، الدّم يغلي، الوحش الرابض في داخلي يتمطّى، يكشّر عن أنيابه… كان الوقت عند الغروب… كانت تسير أمامي بعنفوان ودلال… إنها في الواقع جميلة… وفاتنة… طردت الأفكار من رأسي، لا أريد أن أرى وجهها الآخر، إنها الآن مجرد وصمة عار… عاهرة تدب على قدمين نحو قدرها المرعب…

    التقت بالشاب… شاب وسيم فعلاً… تعلّقت بيده وسارا أمامي في الشارع الطويل الذي تتهامس على جانبيه أشجار الكينا، وتطلّ من وراء الجدران المنخفضة أشجار الليمون، فيما أغصان الياسمين تتهدّل بلا نظام… مثيرة أريجاً مسكراً…

    سرت خلفهما على مسافة كافية لا تثير الانتباه، كانا يتهامسان، يضحكان… وقف الشاب فجأة أمام شجرة الياسمين، تطاول على رؤوس أصابعه وأخذ يجمع الأزهار البيضاء، هزّ الشجرة، فتساقطت الأزهار كندف الثلج على رصيف الشارع، ابتعدت ليلى إلى الوراء كي لا تدوس على الأزهار… انحنى الشاب نحو الأرض وأخذ يجمعها في كفّ يده… نظر في عيني ليلى…، عيناها السوداوا

المزيد


طرفة بن العبد يموت مرّتين! (قصة قصيرة)

تشرين الأول 1st, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , غير مصنف

طرفة بن العبد يموت مرّتين!

(قصة قصيرة)

                                                                     

                                                                نصار إبراهيم     

                                                                 آب-2002

 

 أرخى لناقته العنان فاندفعت تسبح في مدى الصحراء.. أحسّت بالغضب الذي يعصف في صدر صاحبها، وبركضها المطلق كانت تفرّغ شحنة الغضب، تجبرها على التلاشي كغمّازات المطر…

    توقفت أخيراً.. انزلق عن ظهر الناقة المرتفع، سيفه يتأرجح على خاصرته اليسرى.. أدار نظره في الاتجاهات الأربعة، فلم يجد سوى الريح وشجيرات جافة تتدحرج متقلبة يلفّها الغبار.. رمق الناقة بحنان.. مسّد عنقها الطويل… دار حولها، تلمّس وبرها الذي بلله العرق… أرخى خطامها من يده، فخطت نحو بعض النباتات الصحراوية القاسية، أخذت تهبشها وهي تتجنب الأشواك بغريزة لا تخطيء…

توسّد الرمال، لا يظهر من وجهه سوى عيناه..

    " والآن إلى أين يا طرفة… ها قد أطلقت غضبك في الصّحراء… أنت تدرك أن تمرّدك لن يقودك إلاّ إلى الصدام الذي لا ينتهي… لماذا لا تصمت مثلك مثل كلّ فتيان القبيلة..!! ألم يحذرك خالك؟ ألم يقل لك إشفاقا "ويل لرأسك من لسانك"، لكنك لم تسمع النصيحة. تركب رأسك وتواصل النّزال، لا فرق عندك بين شيخ وابن عم… كلّ من يتخطّى حدود عنفوانك تصدّه بالنظرة، بالكلمة، باليد، أو بحدّ السيف…."

    الأفكار تتشابك في رأسه، تموج كموّال حزين.. إنها الصّحراء، الحريّة المشرعة على الطبيعة… بقسوتها ونعومتها. الوحدة التي تفجّر ينابيع الخيال، الإحساس بالذات إلى أبعد نقطة فيها. الحكمة التي تنضج في الرأس قبل نضوج الجسد… شاب يسابق سنوات عمره.. فتح عينيه على الظلم فصرخ.. لم تعجبه فضيلة الصمت، وها هو يتوسّد الصحراء والسماء…

    صفّر للناقة فعادت أدراجها تتهادى برشاقة…

الصحراء أمامك… فاترك لها الخيار…

    " كنت أعرف أنني ذاهب لقدري، ومع ذلك لم أتراجع… كيف وأنا ابن الكلمة السّاطعة كبريق السيف.. قد يقول البعض أنني مجنون.. هل كان عليّ أن أذهب لحتفي بقدميّ.. لماذا لم ألو عنان ناقتي وأذوب في الصحراء… هل تصدقون أنني خاطرت من أجل كيس من الدراهم أو طمعاً في جارية!!! هذه حماقة… ليس ذلك ما دفعني لأسّلم بيدي كتاب موتي… ما دفعني لذلك هو أنني طرفة بن العبد وليس رجل آخر… وإلا ما كنت طرفة الذي احتفظت كتب التاريخ بصورته بكل بهائها، جمالها واحترامها.. قوّة دافعة هائلة تجذبني، تدفعني لتخطّي ما لا يمكن… أسابق الزمن… منذ ولادتي وأنا أعرف أن هامش الحياة أمامي قصير… يجب أن أملأه بأقصى وأسرع ما أستطيع…ستة وعشرون عاماً لا تحتمل استنزافها في التوافه… ولهذا قلت : " إن تبغني في الحانات تلقني…" وقلت " إذا القوم قالوا من فتى … خلت أنّي عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد…". سمعتهم يقولون طائش وأرعن… ليكن، فقد كنت أحاول احتضان الصحراء…"

 

                        *               *               *

 

    أناخ الناقة، اعتلى سنامها، جذب عنانها بخفة، فنهضت، حرّك العنان مرّة أخرى فاندفعت في سديم الصحراء حيث يتراقص السّراب ولهيب الشمس… انسياب الناقة، اهتزازات جسدها، أشاعت في عينيه النعاس فغفا..

كان بين اليقظة والنوم عندما توقفت الناقة فجأة. فتح عينيه ويده على مقبض سيفه… " ما هذا…؟"

 

                                *               *               *

 

    الجنود يتبادلون الحديث ويثرثرون قرب الأسلاك الشائكة على امتداد الحدود… بنادقهم  تتأرجح على أكتافهم… من بعيد لمحوا خيالاً متراقصاً لناقة تتقدم باتجاههم…

    " من يكون هذا المجنون الذي يتقدّم دون أي اعتبار للحدود والرشاشات و الألغام… لا بدّ وأنه  أحد الرّعاة الحمقى الذين يتجولون على مدى النظر، دون أن يعيروا انتباها لأي حدود…"

استمرّت الناقة تتقدم حتى أصبحت على بعد عشرين خطوة :

    " قف، هل أنت أحمق…!؟!"

قطب طرفة عينيه، " أين أنا، ما هذه الأرض، وأيّ جنّ هؤلاء، ماذا يحملون وماذا يلبسون !؟!"

    قفز بخفّة ورشاقة عن ظهر الناقة قبل أن تتوقف، يده لم تفارق مقبض سيفه…

أشرع الجنود أسلحتهم الأوتوماتيكية وتقدّموا على شكل نصف دائرة نحو الرجل الغامض…بدءوا يحيطون به، وهم يدققون في لباسه…

صرخ الفارس : من أنتم… ومن أين جئتم في هذه الصحراء؟؟

نظر الجنود إلى بعضهم واستغرقوا في الضحك…

همس أحدهم وهو يرخي بندقيته بعد أن شعر بأن لا خطر حقيقي :

    " انه مجنون رسمي، بدوي معتوه…"

جال طرفة بعينيه، " ما هذا الأخدود المحفور… ولماذا هذه الأسلاك التي تشوّه وجه الصحراء… هل هذه صحراؤنا…" الشّك والقلق يداهمانه.

    المعادلة ليست واضحة في رأسه، إنهم ليسوا فرساناً أو من صعاليك العرب، وإلا لكان من السهل اتخاذ المبادرة بالسلام أو المجابهة…

 

    " هيه… أنت تقدّم، ارفع الوشاح عن وجهك…"

بقي واقفاً بثبات.. تداعب الريح أذيال ردائه… كان يشبه إله الحرب، يد ثابتة، رأس شامخ، وعينان لا تفوتهما حركة، ينثر بريقهما عشرات الأسئلة.

تقدّم أحد الجنود بحذر، وقف  على مسافة أربع خطوات :

    " أيها الرجل من أنت، وإلى أين تمضي في هذه الصحراء؟!"

خفّت حدّة التوتّر في أعماق طرفة، صحيح أن الرجل يرتدي ملابس غريبة، ويحمل شيئاً لا يشبه السيف أو الرمح… لكنه يتكلم لغة يفهمها، إنها ليست بالضبط العربية التي رضعها مع حليب الصحراء… لكن لا بأس بها… على الأقل يستطيع أن يفهمها وإن بصعوبة…

تركت يده مقبض السيف…" أزاح الخمار عن وجهه… بدا صارماً وبهيّاً… واضحاً، صادقاً لا يخاتل…

أخذ الجنود يتأملونه، يدورون حوله، ابتسامات وهمسات… بدا المشهد مضحكاً بالنسبة لهم… فرصة للتندّر، مناسبة لتبديد سأم الصحراء ورتابة حياتهم في هذا القفر الموحش…

    ومع ذلك لاحظوا أنهم أمام رجل ثابت يجب الحذر عند المزاح معه… عيناه تذهبان للأعماق مباشرة، سوداوان كالليل… فيهما جرأة وذكاء.. لا تجيدان المساومة، بارعتان في إعلان التحدي..

 

                     *            *             *

    " والآن أخبرنا من أنت؟!" سأل أكبر الجنود سنّاً…

    " أنا طرفة بن العبد " قالها بوضوح وكأنه يعلن بديهة أزلية…

نظر الجنود في عيون بعضهم، مطّوا شفاههم…

    " طرفة بن العبد!! تقصد الشاعر العربي المعروف..؟"

    " نعم، بذاته.."

ضحك الجنود… قرفص بعضهم، واتكأ بعضهم على بندقيته… بدت اللوحة أقرب لمشهد في مسرحية هزلية.

    غمرت الدهشة وجه طرفة… أحسّ ببعض الاستفزاز والإهانة… تقلّصت عضلاته، شدّ على أسنانه، ورمق الجنود

المزيد


التطبيع دعم لممارسات ومشاريع الاحتلال وتصفية لحقوق الشعب الفلسطيني

تشرين الأول 1st, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , غير مصنف

التطبيع دعم لممارسات ومشاريع الاحتلال وتصفية لحقوق الشعب الفلسطيني

                                                                                            نصار إبراهيم

                                                                                                             مركز المعلومات البديلة

  • أهمية الموضوع: حوار الأديان، حوار الحضارات، حوار الشرق والغرب، الحوار الفلسطيني الإسرائيلي…. كل ذلك يؤشر إلى محاولات حرف النقاش وفصل القضايا عن مقدماتها، وكأن المشاكل والصراعات هي مجرد سوء فهم، فقط الجلوس على طاولة الحوار وتناول الطعام والشراب وتوفر ما يسمى بحسن النية سيحل كل المشاكل، وكأن ليس تحت طاولة الحوار موازين وعلاقات القوة التي تحكم الصراعات والتناقضات، بهذه المقاربة يتم تخطي مفهوم المقاومة ا كشرط  لانتزاع الحقوق أو كشرط ضروري للضغط من أجل حماية تلك الحقوق. في هذا السياق يأتي مفهوم التطبيع ووظيفته السياسية والثقافية والنفسية والعملية.
  • المفهوم: بدأ الحديث عن مفهوم التطبيع مع توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل  عام 1979، وهو يعني إقامة علاقات سياسية، اقتصادية، ثقافية واجتماعية وأكاديمية طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل قبل تحقيق السلام العادل والشامل، وبالتالي فإن التطبيع مع إسرائيل هو قيام علاقات طبيعية في واقع وشروط غير طبيعية، ذلك أن بناء وتأسيس تلك العلاقات والبنى الطبيعية يشترط أولا وقبل أي شيء أن تصبح إسرائيل دولة طبيعية وأن تتصرف تجاه مواطنيها كدولة طبيعية وأن تتخلى عن عدوانيتها واحتلالها وعنصريتها.
  •  انطلاقا من ذلك فإن سياسة التطبيع وفق شروط الواقع الراهن تقوم على:

-          إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل بدون شروط سياسية مسبقة، أي القبول بواقع الحال القائم دون اشتراط عملية التطبيع بوصول المفاوضات السياسية بين بعض الدول العربية إلى نتائج نهائية؛

-          أن توقيع الاتفاقيات، حتى لو كانت مرحلية، يعني انتهاء الصراع والعداء وبالتالي ضرورة بناء العلاقات الطبيعية مع إسرائيل مثلها مثل أي دولة طبيعية في العالم؛

-          أن بناء علاقات طبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي سيساعد بل هو شرط ضروري لتعزيز العملية السلمية.

إذن، التطبيع هو آلية سياسية وثقافية واقتصادية تستهدف القفز عن الجذور والأسباب التاريخية للصراع وأيضا التعامل مع نتائج الأمر الواقع باعتبارها معطيات طبيعية، بمعنى تكريس نتائج الحروب العدوانية على الشعب الفلسطيني والأمة العربية والقبول بتلك النتائج باعتبارها حقوق إسرائيلية مكتسبة.

  • أخطر ما تحمله سياسة وثقافة التطبيع أنها تستهدف فرض التعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية وكأن الصراع انتهى فيما تواصل إسرائيل عمليا وعلى كل المستويات احتلالها وعدوانها على الشعب الفلسطيني، وهذا يعني بصورة مباشرة تأمين الغطاء السياسي والثقافي والأخلاقي لذلك الاحتلال، ونزع الأبعاد السياسية والثقافية والأخلاقية عن شرعية النضال الفلسطيني لإنهاء الاحتلال.

 

  • التطبيع حرف للتناقضات وتشويه للوعي:

التطبيع مع الاحتلال سياسيا واقتصاديا وثقافيا هو أحد الآليات الرئيسة للقفز عن جوهر التناقضات والصراع بكل أبعاده التاريخية والسياسية والنفسية وتصوير الحل وكأنه مجرد حملة من العلاقات العامة، وفي ذات الوقت حرف النقاش عن جوهر المشكلة( الاحتلال) وإحالة فشل الحلول السلمية إلى رفض الشعب الفلسطيني والدول العربية لكل المحاولات الإسرائيلية التي تستهدف بناء علاقات طبيعية بين شعوب المنطقة.

  • مظاهر وتجليات التطبيع:

-          التطبيع السياسي: علاقات سياسية، وصف المقاومة بالإرهاب، الحديث عن نزاع وليس صراع، عدم تحميل إسرائيل أية مسؤولية عما لحق بالشعب الفلسطيني من نكبات وتشريد، وتكريس ونتائج الاحتلال الإسرائيلي المديد( تشريع المستوطنات، تشريع المساومة على الحقوق الفلسطينية الأساسية: الاستقلال وحق تقرير المصير وحق العودة)، توفير الغطاء للهروب من قرارات الشرعية الدولية واستبدال ذلك بالمفاوضات بين طرفي "النزاع".    

-          التطبيع الاقتصادي: فتح الأسواق العربية أمام البضائع الإسرائيلية، إقامة مراكز صناعية مشتركة ترجمة للمقولة العن

المزيد


المجتمع الفلسطيني: جدل العلاقة بين السلم الأهلي والأبعاد الاجتماعية*

تشرين الأول 1st, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , غير مصنف

المجتمع الفلسطيني:

جدل العلاقة بين السلم الأهلي والأبعاد الاجتماعية*

(ورقة تحليلية)

 

                                                                                         الكاتب نصار إبراهيم

                                                                                        مركز المعلومات البديلة

نيسان – 2009

إذا كان السلم الأهلي (كثقافة وممارسة) هو شرط ضروري لتماسك وتطور أي مجتمع أو شعب، فإنه بالنسبة للشعب الفلسطيني،  موضوعيا وذاتيا، يتخطى ذلك إلى الدرجة التي يلعب فيها وظيفة عضوية تمس عمق ووجود النسيج الاجتماعي، السياسي، الثقافي والنفسي، ففي ظل معاناة الشعب الفلسطيني الطويلة واغتصاب أرضه واقتلاعه ومحاولات شطبه من الوجود يعتبر أي مساس بسلمه الأهلي أقرب إلى الانتحار، فآخر ما يحتاجه شعب مشرد ومستهدف بهذه الشراسة هو العبث بآخر ما تبقى لديه: وحدته وتماسكه ولحمه الحي.

 هذه المقاربة لا تحمل أي مبالغة وإنما هي استجابة طبيعية لخصوصية المجتمع الفلسطيني بما يعكسه من بنى متداخلة ومتحركة على أكثر من مستوى واتجاه، ولطبيعة التحديات والصراع الذي يخوضه مع كل العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في المشهد الفلسطيني.

ستتعامل هذه المداخلة مع مفهومين إشكاليين بالمعنى النظري والعملي، هما: السلم الأهلي والمجتمع الفلسطيني، ذلك أن كلا منهما يشمل مجموعة من العناصر والصيرورات التي تتفاعل في إطار المفهوم المحدد من جانب، وجدل العلاقة التي تحكم تفاعلهما وتقاطعاتهما من جانب آخر.

العلاقة التي تحكم طرفي هذه المعادلة ليست عملية بسيطة، ذلك أن تعزيز السلم الأهلي ليس مجرد إجراءات ميكانيكية وإنما هو نتاج تفاعل البنى الاجتماعية المحددة التي قد تذهب باتجاه تعزيز صيرورات وثقافة وقيم ومبادئ السلم الأهلي، أو تتورط  في صيرورات نقيضة تعصف بوحدتها وتماسكها، وبالتالي قدرتها على مواجهة التحديات والتناقضات التي تجابهها سواء كانت داخلية أو خارجية، والحركة في إطار هذه المعادلة قد تكون واعية أو قسرية، وعلى أساس ذلك يتحدد خط سيرها باتجاه التناغم أو الصراع.

هنا بالضبط تتجلى أهمية وقيمة مثل هذا المؤتمر الذي يجب أن يستهدف، وبالدرجة الأولى،  التأثير في حركة طرفي المعادلة  باتجاه رفع الوعي الفردي والجمعي، وبناء منظومة من المعايير والنواظم والقيم الثقافية والسلوكية التي تعمل باستمرار على الحد من انفلات التناقضات وفقدان شروط السيطرة عليها من جانب ، وتعزيز العمليات والبنى والمعايير التي تعظّم ديناميات التفاعل الإيجابي وشد النسيج الاجتماعي دون تجاهل واقع التنوع: السياسي، الاجتماعي، العشائري، الديني، الطائفي، الثقافي والطبقي من جانب آخر، ذلك أن تلك البنى هي بالمعنى النسبي معطى موضوعي يتطور في المكان والزمان.

 وبكلمة، إنها المعطى البنيوي الذي تنبثق في سياقاته البنى الأعلى، وفي إطار هذه العملية الاجتماعية التاريخية تجري عمليات التفاعل أفقيا وعموديا، وكل ذلك في سياق عامل الزمن وما يترتب عليه من تغيرات اجتماعية، إيجابية أو سلبية.

*قدمت هذه المداخلة في مؤتمر الصحة النفسية والسلم الأهلي، الذي عقد في مدينة الخليل في 27 – 28/4/2009.

أردت التأكيد على هذه النقطة المنهجية حتى لا يسقط النقاش أو مقاربة مفهوم السلم الأهلي في المجتمع الفلسطيني في  دائرة الوعظ الأخلاقي الساذج، أو ربما أكثر من ذلك السقوط في وهم إمكانية القفز عن التنوع وما يترتب عليه من تناقضات، وكأن الالتزام بمفهوم السلم الأهلي أو تجاوزه هو مجرد استجابة نفسية أو وجدانية.

ما أريد قوله وبصورة واضحة، أن السلم الأهلي هو عملية اجتماعية، سياسية وثقافية، يرتبط نجاحها بالقدرة على التعامل مع التناقضات وضبطها وعدم دفعها، بوعي أو بدونه، نحو سياقات التفجير والصراع وتشظية المجتمع، وهذا مشروط بضرورة الإقرار بالتنوع في إطار الوحدة، وفي ذات الوقت إدارة التناقضات بطرق عقلانية واعية بحيث تستجيب لضرورات التغير والتطور من جانب، وعدم استنزاف المجتمع في صراع داخلي مدمر من جانب آخر.

ومع ذلك، فإن العديد من التجارب التاريخية تفرض علينا استدراكا لا بد من التوقف أمامه ولو بصورة سريعة، وهو أن حركة التناقضات الداخلية قد تتصاعد في ظل ظروف وشروط موضوعية وذاتية محددة لتتحول إلى  صدام اجتماعي وسياسي عنيف، قد يحدث هذا في سياق التحولات الاجتماعية  الجذرية والشاملة التي تتجلى في الثورات الاجتماعية الكبرى ضد القوى الطبقية الرجعية المهيمنة، التي هي أول من يلجأ عادة للعنف دفاعا عن مصالحها، والتاريخ، بهذا المعنى، حافل بمثل هذه الثورات (ثورة العبيد ضد روما والحرب الأهلية في الولايات المتحدة…) وهذا ما قصده ماركس بعبارته "العنف مولِّدة التاريخ"،  وذات الخيار قد يكون مبررا أيضا في لحظة تاريخية معينة لمواجهة القوى التي تتحول إلى أدوات في يد القوى الاستعمارية، مثل حكومة فيشي في فرنسا ونظام باتيستا في كوبا.

 أردت المرور على هذه الفرضية من باب استكمال النقاش لا أكثر، لأن الخوض في تفاصيلها ليس من بين أهداف هذه الورقة. على أية حال، هذه المقاربة (وبالرغم من الصراع الداخلي الذي شهده قطاع غزة) تبقى غير واردة أو ملائمة للحالة الفلسطينية، ونأمل أن تستعيد القوى التي كانت طرفا في تلك الأحداث  توازنها السياسي والأخلاقي، وذلك انطلاقا من حقيقة صارمة وهي أن عموم الشعب الفلسطيني لا يزال يتصدى لمهام التحرر الوطني وما يرتبط بها من مهام ديمقراطية. 

تأسيسا على هذه المقدمة، يمكن الانطلاق لتقديم قراءة كثيفة لجدل العلاقة التي تحكم مفهوم السلم الأهلي في المجتمع الفلسطيني.

مقاربة الحالة أو الواقع الفلسطيني، تتداخل فيها مجموعة من العناصر: الاحتلال، البنى الاجتماعية، التنوع بتجلياته المختلفة، المجتمع المدني، السلم الأهلي، الوحدة الوطنية. هذه العناصر محكومة جميعها بعلاقة شديدة التفاعل والتداخل إلى الدرجة التي يستحيل معها فصلها عن سياقاتها، والصعوبة تكمن في القدرة على ضبط حركتها وإيقاعاتها المتنوعة بهدف توجيهها نحو تعزيز العمليات الإيجابية والحد من العمليات السلبية.

الاعتراف بالتنوع في المجتمع الفلسطيني مدخل إجباري لصياغة استراتيجيات العمل السياسي والاجتماعي، بما يعنيه ذلك من الحق في الاختلاف وتنوع المصالح والاهتمامات والتقاطعات، وفي ذات الوقت الإقرار بما بات يعرف بالمصالح الوطنية العليا.

وبشكل عام، عادة ما يتم تهديد السلم الأهلي عندما يجري اغتصاب أو تجاهل أحد هذين المكونين، بمعنى؛ عندما تقوم البنى والمكونات الجزئية في المجتمع ( الحزب السياسي، الطائفة الدينية، الفئة الإثنية، العشيرة، القومية…) بالتعامل مع الواقع باعتبارها المرجعية الوحيدة التي من حقها تحديد السياسات والخيارات لعموم المجتمع بمعزل عن مصالح وأهداف وأدوار الجماعات أو المكونات الاجتماعية والسياسية الأخرى في ذلك المجتمع، يترتب على هذه الثقافة وما يلازمها من سلوك دفع المكونات المستثناة أو المهمّشة للمقاومة والصراع لحماية وجودها ومصالحها، وفي غمرة الصراع يتم هتك النسيج الاجتماعي وتدمير الروابط الطبيعية التي حافظت وتحافظ على وحدة وتماسك المجتمع في سياقات تطوره التاريخي. وإذا ما حدث ذلك  تطفو على السطح ردود الفعل الغرائزية عند الجماعات، ويتم تضخيم الخصوصيات وعناصر الاختلاف ( اللغة الخاصة، اللباس، الطقوس الدينية أو الإثنية، الثقافة الفرعية، العادات) وفي سياق هذه العملية الصراعية تتأسس الحاضنة لانفجار العنف بكل تجلياته؛ المادية، السياسية، الثقافية والنفسية، والخطير في مثل هذه الحالة أن كل جماعة تخلق لنفسها منظوم

المزيد


طبيعة العلاقات الجندرية في السياق الفلسطيني (بحث تحليلي)

أيلول 30th, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , غير مصنف

 

5  – 1 – 2009        

طبيعة العلاقات الجندرية في السياق الفلسطيني

 

                                                                                    نصار إبراهيم

                                                                                 مركز المعلومات البديلة

النقاش حول العلاقات الجندرية كظاهرة اجتماعية، من أكثر النقاشات تعقيدا وتركيبا، ذلك أن قضية المرأة ووضعها في السياق الاجتماعي، شأنها شأن أي ظاهرة اجتماعية، يعني تفاعلها  مع مجموعة من العوامل شديدة التداخل، فهي ظاهرة ليست مقطوعة عن سياقاتها التاريخية، إنها وبامتياز ظاهرة تاريخية، بدأت مع بداية تشكل المجتمعات البشرية وتتواصل مع تطورها.

 في سياق حركة تطور تلك المجتمعات، على امتداد الزمان المكان، يتطور وضع المرأة وعلاقات النوع الاجتماعي تحت تأثير وتفاعل العلاقات والتناقضات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، النفسية، الثقافية، وتعبيراتها السلوكية واللغوية وانعكاس ذلك في الوعي الفردي والجمعي والتراتب الاجتماعي والتجليات الحقوقية عند هذه الجماعة البشرية أو تلك.

إذن، مقاربة وضع العلاقات الجندرية في أي مجتمع تستدعي التعامل معها انطلاقا من مستويين أساسيين:

الأول: السياق الإنساني العام، أي البعد الاجتماعي الشامل لهذه الظاهرة، وهذا يعني أن هناك تقاطعات اجتماعية مشتركة تواجهها "المرأة" كونها أنثى بالمعنى البيولوجي، أي بغض النظر عن المجتمع المحدد الذي تنتمي إليه وخصوصياته الثقافية والحضارية والاقتصادية والجغرافية.

الثاني: السياق الخاص، أي رؤية العلاقات الجندرية ضمن تجلياتها الخاصة المرتبطة بخصوصيات التجارب الإنسانية في المكان والزمان، ذلك أن العام لا يتجلى إلا عبر الخاص، فتقاطع ما هو مشترك بين الخصوصيات المختلفة هو الذي يشكل العام في المجتمعات البشرية.  

في إطار هذه المحددات، تستهدف هذه الورقة مقاربة العلاقات الجندرية في الواقع الفلسطيني، وذلك في محاولة لتقديم قراءة علمية لهذه العلاقات، انطلاقا من جدل العام والخاص، وبالاستناد لما يدور من نقاشات حول مفهوم العلاقات الجندرية على الصعيد المعرفي والثقافي والاقتصادي والسياسي، سواء في تجربة المجتمعات الغربية أو عبر المقاربات التي ولدت مع الحركات النسوية في المجتمعات الشرقية.

العام في واقع المرأة الفلسطينية:

البحث في طبيعة وواقع العلاقات التي تحكم الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي في الواقع الذي تعيشه المرأة الفلسطينية، هو نتاج مجموعة من العوامل المتراكمة تاريخيا، وهذه العوامل بقدر ما تعبر في بعض أبعادها عن خلفيات التمييز الذي تعاني منه المرأة المرأة لكونها مطلق مرأة، أي بغض النظر عن المجتمع المحدد الذي تنتمي إليه،  سواء كان مجتمعا غربيا متطورا أم مجتمعا شرقيا ناميا، فإنها في ذات الوقت تعكس ترجمات أكثر خصوصية وملموسية ترتبط مباشرة بالخصوصية الحضارية، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية للمجتمع الفلسطيني. ومن أبرز هذه العناصر:

-         المجتمع الفلسطيني مثله مثل معظم شعوب الشرق الأوسط  مجتمع يستند إلى عمق تاريخي وحضاري وثقافي يذهب عميقا في التاريخ البشري، وعلى هذا الصعيد فهو مشبع في وعيه وثقافته وتقاليده وقيمه بكل ما حملته حضارة بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام من أساطير ورؤية تجاه الوجود والخلق والموت والحياة وغيرها من ظواهر الطبيعة.

-         المجتمع الفلسطيني مجتمع مسلم في غالبيته العظمى، وهو بهذا يعكس في وعيه وسلوكه كل التأثيرات والقيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام، الإيجابي منها والسلبي، وفي مركز هذا التأثير المبادئ ومنظومة الحقوق والرؤية التي جاء بها  الإسلام  على صعيد الموقف الشرعي والعقائدي والسلوكي تجاه المرأة ( يشمل ذلك العلاقات الزوجية والعلاقة بالأولاد، الدور الاجتماعي للمرأة، الحقوق المدنية، الحقوق الاقتصادية وحقوق الميراث، الحقوق السياسية، والعلاقة بين الرجل والمرأة..) هذا الواقع يشكل مكون حاسم لايمكن القفز عنه في أي بحث علمي تجاه واقع وصيرورات العلاقات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني؛

-         الخصوصية التاريخية، والتي تتمثل في تعرض الشعب الفلسطيني عبر التاريخ لموجات متتالية من الغزوات والاحتلالات ( السيطرة المصرية، الاحتلال الفارسي، الاحتلال اليوناني، الاحتلال الروماني، الحروب والغزوات الصليبية، الاحتلال العثماني، ثم الاحتلال البريطاني، وأخيرا الاحتلال الإسرائيلي)؛

-         الخصوصية الاجتماعية - الاقتصادية، إي طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تسود في المجتمع الفلسطيني بما هو مجتمع زراعي تحتل الأرض في ثقافته مكانة مركزية، وهو ما ينعكس بوضوح في علاقات العمل التي تتناسب مع الثقافة الفلاحية وبنية القرية الفلسطينية.

-         الاحتلال الإسرائيلي وتشريد الشعب الفلسطيني؛ فالشعب الفلسطيني هو شعب اللجوء بامتياز، حيث يشكل اللاجئون  60% من مجموع الشعب الفلسطيني، أي ما يقارب ستة ملايين لاجئ وفق إحصاءات الأونروا. لقد انعكست عملية الاقتلاع والتطهير العرقي التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني ( إيلان بابيه) بصورة عميقة على العلاقات الاجتماعية بشكل عام وبصورة أكثر عمقا على واقع المرأة الفلسطينية بشكل خاص، حيث أصبحت المرأة الفلسطينية تعاني من ثلاثة أنماط من القهر والاستغلال والتمييز؛ القهر القومي؛ الطبقي؛ والاجتماعي، وهذه سمة أساسية يجب رؤية انعكاساتها السياسية،الاجتماعية، الاقتصادية، النفسية والثقافية على المرأة الفلسطينية، حيث تعرضت العلاقات الاجتماعية التي كانت تسود في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة لهزة شاملة لا زالت آثارها تتفاعل حتى اللحظة، وأصبحت تلقي بكل تأثيراتها على واقع المرأة الفلسطينية وأدوارها الاجتماعية وعلاقاتها مع ذاتها ومع محيطها الاجتماعي.

في سياق هذا المستوى العام، يعكس الواقع الذي تعيشه المرأة الفلسطينية ما تعانيه المرأة بشكل عام  من تمييز ودونية وقهر في كل المجتمعات البشرية باعتبارها مطلق إمرأة.

 وبهذا المعنى، يعكس واقع المرأة في السياق  الفلسطيني فعل وتأثير العوامل التي شكلت جوهر مقاربة سيمون ديبوفوار للعلاقات الجندرية.

 تعيد سيمون دي بوفوار التمييز الاجتماعي القائم ضد المرأة إلى عاملين أساسيين، حيث يقوم هذان العاملان على استخدام الفوارق البيولوجية الطبيعية بين الذكر والأنثى لصياغة الأدوار والوظائف الاجتماعية وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي عند الإناث والذكور كما عند الأفراد والجماعات، ذلك أن العلاقلات الاجتماعية السائدة على الصعيد الجندري هي انعكاس طبيعي للفوارق البيولوجية بين الجنسين، وفي ضوء ذلك يجري التعامل مع هذا التمييز، أي على صعيد الأدوار وما ترتب عليها من تراتب اجتماعي كمسلمة طبيعية شأنها شأن الفوارق البيولوجية، أي باعتبارها معطى طبيعيا تماما؛ وهذان العاملان هما:

·        العامل البيولوجي؛ أي رؤية الأنثى باعتبارها الآخر، وتصبح الفوارق البيولوجية  عند هذا الآخر (الأنثى)، شرطا ضروريا لتعريف وتحديد دور "الأنا" عند الذكر. انطلاقا من ذلك ترى الثقافة الذكورية أن الإنسان المطلق هو بالأصل الذكر(androcentrism)، ولهذا من الطبيعي أن يحتل  دور الفاعل فيما الأنثى تحتل دور المفعول، بهذا تتحدد سياقات الأدوار الاجتماعية بين طرف مهيمن وآخر تابع وخاضع.(دي بوفوار، 1949).

 ولتأكيد هذه النقطة، تشير بوفوار إلى أن الوعي الذكوري يتم بناؤه باعتباره الحامل والناقل للتفوق والتميز، بينما المرأة هي مجرد متلقي. هكذا تنشأ وتتركب العلاقات على أساس أن الإبداع الذكوري تقابله سلبية المرأة، وأن جميع الوظائف الطبيعية للمرأة ( الحمل، الولادة، الرضاعة، العمل المنزلي…) لا تعكس أي عمل إبداعي وإنما هي تعبير وترجمة لدورها الذي رسمته "الطبيعة" " لعبة القوة العمياء" (plaything of obscure forces) وذلك لإكمال ومساعدة الرجل كنموذج للكمال والقدرة على الخلق.( Signe, 4, 2006).

·        الوعي الاجتماعي ؛ تأسيسا على الفوارق البيولوجية تبنى وتصاغ منظومات الوعي في المجتمع، تلك المنظومات التي تبدو وكأنها تستقل عن خط البداية لتصبح قوة فاعلة بذاتها، وهي تقوم بوظيفتها باستمرار بهدف تكريس الصورة النمطية الإيجابية للرجل ودوره كفاعل اجتماعي متفوق " إنه ينبثق من الحاضر ويقتحم المستقبل" ( بوفوار، 1949)، هذا من جانب، وتكريس الصورة النمطية السلبية للمرأة ودورها الاجتماعي الدوني من جانب آخر، وفي سياق هذه الصيرورة الاجتماعية المركبة تتشكل المرأة كمرأة "المرأة لا تولد مرأة ولكنها تصبح مرأة". (بوفوار، 1949).

أنماط وتجليات التمييز التي تنبثق عن هذين العاملين، وما يرتبط بهما من سلوك وأدوار وتراتب اجتماعي، يضع المرأة الفلسطينية في موقع "الآخر" بالنسبة لهيمنة ومحورية الرجل في

المزيد


شجرة اللّوز (قصة قصيرة)

أيلول 30th, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , غير مصنف

;}

شجرة اللّوز

                                                                                       نصار إبراهيم

 

هكذا كل صباح.

 ينحدر مشرقا مع أشعة الشمس الأولى، يصعد الدرب وهو ينفض الندى عن الشجيرات والأشواك البرية المتعانقة على جانبي الدرب، بعدها يصل، يلقي حقيبة المدرسة على الصخرة القريبة ويقف لاهثا بانفعال يراقب الظلال وهي تنحسر عن التلال الممتدة شرقا وشمالا.

يدور حولها، فقط هو وهي، هو وشجرة اللّوز، عاشقان يراقصان الصباح.

كانت تطل بكل بهائها على سفح التلة، مغمورة بظلال الصباح الندية بانتظار أشعة الشمس الأولى، ومع رحيله اليومي وحيدا عبر التلال المشجرة وحواراته الصباحية نمت علاقة مدهشة بينه وبينها، يعشق نوّارها وأريجها الخاص، يتشممها بلذة، كانت أليفة وحميمة، تغذي خيالاته الرهيفة المهيأة لإغواء اللقاء عبر حوار الصمت المتواصل، يداعب نوّارها المضيء مع ضوء الصباح، يجلس مستندا إلى ساقها ويرسل بصره نحو الاتجاهات وانحدارات السفوح.

 كان ذلك زمن اللّقى الجميلة، زمن الطفولة المفعمة باكتشاف الطبيعة بتفاصيلها ومزاجها، اكتشاف الذات وقدرتها على إعادة الخلق، صياغة التفاصيل والعلاقات والأحداث العابرة، اكتشاف اللغة بمفرداتها المتناغمة مع الفضاء الممتد ما بين الذات والمكان، ما بين الحواس الخمس وما يداعبها من شجيرات، صخور، تلال، انحناءات، أصوات، حشرات، نحلة هائمة، عصفور يطير في كل اتجاه، جندب يحك قوائمه ويقفز إلى مكان ما، ظلال تنساب بهدوء فتعيد تشكيل المشهد في لحظة، ومعها يعيد إطلاق ردود فعله الفطرية.

 يجلس، ينهض، يدور حولها، يلامسها، يداعبها، يتأملها كما يتأمل في صمت ونشوة تفاصيل امرأة تقف عارية بكل أنوثتها وإغرائها وحيدة في ضوء الصباح، كانت تحتل مركز المشهد ومن عندها يطلق شعاع نظره نحو الفضاء البعيد، يذهب ويذهب ثم يعود إليها كطفل يحبو نحو أثداء أمه ليرضع ويطمئن ويغفو.

أرسل نظره نحو الجبل في الجهة المقابلة، جبل طفولته، تتماوج عل سفوحه أشجار الصنوبر بفرح لا يقطع صلاته مع حفيف حزين.

***

في الشتاء تتعرّى أغصانها،  مجرد عيدان بنية جرداء، لكنها تضج في أعماقها بصخب الحياة… تغتسل بالمطر ومن فوقها تسافر قطعان الغيوم الرمادية مسرعة بتشكيلاتها المتغيرة. تهزّها الريح فتتلامع قطرات الماء البكر متراقصة على أطرافها بشفافية مدهشة.

يأتي آذار، تبرعم العيدان، فتبدو حينها كحلمات نهود في ذروة انفعالها.. ومع دفء الربيع تشرق ابتسامات النّوار، تتفتّح ببطء آسر، ومعها، من اللّامكان، تحضر حكايات الوعي.

هي تكبر، وهو أيضا، يكبران معا، تتراكم الأيام والأعوام، وبدون أن يلحظ تنمو العلاقة ببطء وبعمق جميل.

على السفوح المضيئة والظليلة يمتد فضاء وصمت إلا من حوار المكان بمكوناته وكائناته، تتماوج أشجار الزيتون مع الريح. يقف في حضرة الطبيعة مأخوذا ويطلق ذاته إلى حيث يريد…

***

أدمن العلاقة معها، يذهب ربيع ويأتي آخر، وهي تشرق دائما بكل بهائها، وعلى السفح المقابل تتمايل أشجار الصنوبر وتخاصر كل ما يثيرها..

في ذلك اليوم الكئيب أفاقت على ضجيج قبيح حطم بلا رحمة تناغم كل شيء، ضجيج اغتصب لحظة الصمت والصباح، استيقظت الشجرة  البهية لتجد نفسها شاهدا صامتا وحزينا على جرّافات صماء وهي تلتهم غابة الصنوبر، تمزق بكراهية أصدقاء طفولتها وشبابها. كانت تزحف بصرير جنوني تلفها عواصف الغبار، تهتز الأشجار المرتعبة، تفرّ الجنادب والحشرات، تحاول أن ت

المزيد


محمود درويش: المنفى وحركة المعنى في المحدّد!

أيلول 30th, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , غير مصنف

محمود درويش:

المنفى وحركة المعنى في المحدّد!

                                                                         نصار إبراهيم

                                                                       كاتب فلسطيني - مركز المعلومات البديلة

 

"صبرا- تغني نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة

كم مرة ستسافرونْ

والى متى ستسافرونْ

ولأي حلم؟

وإذا رجعتم ذات يومْ

فلأي منفى ترجعون؟

رحلوا وما قالوا

شيئا عن العودة

لا، ليس لي منفى

لأقول: لي وطن

كل هذا الليل لي، والليل ملح

ويكون – بحر

ويكون – بر

ويكون – غيم

ويكون – دم

ويكون – ليل

ويكون – قتل

ويكون – سبت

تكون – صبرا.

صبرا – تقاطع شارعين على جسد

صبرا نزول الروح في حجر

وصبرا – لا أحد

صبرا – هوية عصرنا حتى الأبد."

                          (من مديح الظل العالي)

 

"لماذا تركت الحصان وحيدا؟

أجابه:

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها"

                          (لماذا تركت الحصان وحيدا)

"إن عدت وحدك، قل لنفسك:

غيّر المنفى ملامحه…

ألم يفجع أبو تمام قبلك

حين قابل نفسه

"لا أنتِ أنتِ

ولا الديار هي الديار"

                     (لا تعتذر عما فعلت)

  شكل استهداف فلسطين، كجماعة ومكان وتاريخ وذاكرة، وما ترتب على ذلك من اقتلاع مادي ومعنوى، الإطار والسياقات التي تحكم حركة الإبداع الثقافي الفلسطيني بكل حقولها، بعد أن تحول الفلسطينيون إلى "مجتمع تاريخي من العذاب" (إدوارد، 1981) أصبح المبدع الفلسطيني في مواجهة قاهرة مع ضغط الأحداث المباشر وما تستدعيه من ردود فعل من جانب، ومعايير وشروط الإبداع التي عليها أن تتخطى قيود المباشر السياسي باتجاه كشف وصياغة العلاقات التي تحكم صيرورة الجماعة الفلسطينية في سياق تفاعل ثلاثية الماضي – الحاضر - المستقبل من جانب آخر. هكذا شكلت المأساة الفلسطينية المتواصلة بكل تفاعلاتها وتجلياتها الفضاء والحاضنة لتجربة محمود درويش الإبداعية، وبهذا المعنى فقد" جعل فلسطينيته عنوانا آخر للشعر وحولها إلى ملحمته وميتفيزياه وإشكاله الأنطولوجي" (بيضون، 2003).

 

    تعامل محمود درويش مع مفردات المآسي والنكبات الفلسطينية وما رافقها من معاندة ومقاومات باعتبارها الطينة الطبيعية الأولى التي معها ومنها تتشكل الأبعاد الإبداعية لديه، كان دائما يعود إليها، يعيد قراءتها، يعيد تشكيلها، ليستخرج منها أبهى الصور والمفاهيم الجمالية، كانت هذه العملية، المضنية والممتعة في آن، تعيد صياغة وعيه لذاته وتجربته، وكأنه مع كل مرحلة إبداعية يولد من جديد، أو على حد قوله " هناك شعراء يولدون "بالتقسيط" وأنا من هؤلاء الشعراء. ولادتي لم تتم مرة واحدة" (درويش، السفير، 2003) ،

ستحاول هذه الورقة استكشاف جدل العلاقة بين المنفى كحالة فلسطينية وسياقات التحول في وعي محمود درويش وتحرك المعنى في إبداعاته الشعرية، وفي هذا الإطار سنتابع جدل المنفى والعودة، المنفى كواقع ملموس في المكان، وكحالة تفاعل اجتماعي وإنساني، ذلك أن عدم وعي هذه الخافية في ثقافة وملابسات اللجوء الفلسطيني، يجرد مفهومي المنفى والعودة من بعض أبعادهما الأكثر أهمية.

 

 

احتل محمود درويش ذلك المكان العالي في الوعي الفلسطيني والعربي والإنساني بكل جدارة باعتباره شاعر المقاومة بأبهى تجلياتها الإنسانية والأخلاقية والجمالية، لقد فرض نفسه من خلال ارتقائه وسيره الدائم عند خط المواجهة المتقدم دون أن يفقد لونه أو خصوصيته، ونجح في أن يحمل قضية شعبه إلى أقصى مكان في الكون وأن يقدم الشعب الفلسطيني بأجمل ما يكون، ورغم ذلك لم يهبط بالشعر إلى مستوى المباشر السياسي، بل ارتقى بالوعي السياسي إلى ذروة الشعر، وهو يرى بأن "المقياس الأيديولوجي قد انتفى تماما في علاقتنا بالنصوص الشعرية، ولهذا أصبحنا أكثر حرية في قراءة النص" (المصدر السابق).

لقد حلق محمود درويش بشعره في فضاءات الروح الفلسطينية الإنسانية الشاسعة، عشقا، حلما، أسى، فرحا، غضبا، وحنينا، من ركام المآسي يلتقط شظايا الجمال ويعيد تشكيله، وفي غمرة الفرح لم يفقد خيط الحزن، ماهر في مراقصة المتناقضات، اللغة نبض والنبض لغة، لا يذهب نحو المتخيل أو الافتراضي إلا بقدر ما يحيل ذلك إلى الواقع، غير أنه لم يحول شعره إلى مجرد بيان سياسي فهو دائما مسكون بالبحث عن الحرية سواء بمفهومها المادي أو ببعدها الإبداعي  "… يجب أن نصدق أن الشعر يستطيع أن يتحرر مما ليس منه، وما ليس منه هو الراهن القابل للتبدل السريع" ومع ذلك  فقد كان يرفض أن تفقد القصيدة موضوعها، معناها، بناءها، وعناصرها، فكل ذلك هو ما يشكل قوام أو جسد شعري واضح" (المصدر السابق).

حافظ محمود درويش على معايير احترامه لنصّه وذاته ولم يسقط في مصيدة النفاق والسذاجة التي تبحث عن المديح الهابط عبر هبوط النصّ، أو عبر التواطؤ المضمر مع رغبات القارىء البدائية وإخضاع النصّ لما يحب أن يسمع. وفي سياق هذا الإصرار نجح في بناء حالة من الجدل العميق التي استمرت تحكم حركة التفاعل ما بين النصّ والقارئ.

 بهذا المعنى كانت الكتابة الإبداعية عند محمود درويش فعل وتفاعل شامل مع الذات، الواقع، الفضاء، اللغة، الوعي، المعنى، المحدد، الزمن، كانت دائما عملية تغري بالمشاكسة،  حالة خلق وولادة مستمرين، بقدر ما تبتعد عن الواقع كانت تحتفظ، وبكل أناقة،  بحبلها السُّري معه "لا شيء يأتي من بياض …والقصيدة بلا موضوع لا تكون هشة فقط بل مشغولة بالتحديق بنفسها"(المصدر السابق).

نقرأ محمود درويش فتغمرنا بهجة المفاجأة وكأننا نكتشف ذاتنا وجمالنا لأول مرة، فهو يداعب الأوتارَ الأكثرَ حساسية ورهافة وعمقا فينا، والتي كدنا ننساها في غمرة المآسي والواقع الطاحن ومحاولات المقاومة. عندما نقرأ محمود أو نستمع إليه نستعيد بعضا من توازننا، نكتشف أننا أكثر قوة أو بطولة أو ضعفا مما نعتقد أو مما نحن عليه ومن كل ما تروج له ثرثرات السياسة، ذلك أن البطولة في شعره هي بطولة تلقائية شاملة، والضعف حالة إنسانية لها ذات القدرة على التأثير، " الشعر دائما حليف الخسائر الصغيرة والخيبات…. أعتقد أن صورة طفل يتفرج على جيش الاسكندر فيها شعر أكثر من جيش الاسكندر كله، أو أن العشب الذي ينبت على خوذ الجنود هو الشعر وليست الخوذ هي الشعر… "( المصدر السابق)، فالإنسان قوس قزح يشمل كل أطياف اللون، حيث يتباهى كل لون بجماله المطلق دون أن يلغي أو يغتصب ما عداه، بل يزداد بهاء بتناغمه وتفاعله مع بقية الطّيف، عبر هذه العلاقة تأخذ تفاصيل الواقع أبعادا جديدة وحضورا جماليا لا توفره النزعة الذاتية الضيقة.

ضمن هذه المقاربة يمكن القول أن محمود درويش هو شاعر الانضباط للسياقات، وفي ذات اللحظة صعلوك في التمرد عليها، يملك براعة فائقة الحيوية ومبهرة في إطلاق المعاني الجديدة في السياقات المحددة، مولع بإعادة اكتشاف المعاني في التباساتها ومراوغاتها الإنسانية في حركة الزمان والمكان، يذهب للنهايات ليعيد وعي البدايات، ويذهب للبدايات ليعيد صياغة النهايات، هو شاعر الاحتمالات المفتوحة، أو لنقل… شاعر النصّ المفاجئ، " الكلمة الواحدة تحمل معاني عدة وتكرارها وتغيير حركة واحدة فيها قد يخلقان معاني مضادة.. هذه الإمكانية تحرض أحيانا على رقص مجاني في القصيدة. جميل أن نرقص قليلا" ( المصدر السابق).

عبر هذه الجدلية المولعة في التجريب والاكتشاف احتل درويش، بتأن وإصرار، تلك المساحة المرموقة في الوجدان الفلسطيني وأصبح رافعة ثقافية ساهمت بكل نشاط وحيوية في صقل الوعي والذاكرة الفلسطينيين، وبرهن ببراعة أن الفعل الثقافي من الخطورة والحساسية بحيث لا يجوز تركه تحت رحمة الصدفة والعبث لثرثرات الهواة.

محمود درويش شاعر أدمن التوتر والقلق والرهبة أمام كل نص شعري، لأنه يتعامل مع واقع متوتر وقلق إلى أقصى الدرجات،  لم يقع في وهم الرضى عن الذات، رغم أنه كان مشبع بالاحترام، إنه دائم القلق من العلاقة التي تربط نصوصه بالناس، ولهذا كان نصّه قريبا منهم إلى درجة البوح، لكنه بوح راق في بنيته وجمالياته وأبعاده الموغلة في أقاصي الروح الإنسانية في لحظات بهجتها أوغضبها وألمها وتمردها الأزلي، هكذا حضرت الأبعاد الفلسطينية في أعماله دون أن يسقط في الرثائية المحبَطة، ودون أن يهبط بالقضية الفلسطينية إلى مجرد مطيّة للصعود، لم يجعل من الفلسطيني موضوعا للشفقة، بل تعامل مع فلسطين تاريخا ورمزية وشعبا وأرضا باعتبارها البيئة الطبيعية المتفاعلة مع الإبداع والمفتوحة على المطلق الإنساني، إنها حالة وعي في غناها وتشابكها يستحيل معها الفكاك.

لقد تفاعل محمود درويش مع حالة المنفى الفلسطيني ونقيضه حلم العودة باعتباره الفضاء أو المادة الأولية والمدخل نحو كشف الذات الفلسطينية كذات فاعلة ومتفاعلة، وليست مجرد موضوع للفعل، سواء في نكباتها أو مقاوماتها، لقد " صار الفقد هو المعطى الذي يحكم علاقة الفلسطينيين بموطنهم، وفي بنائهم لعلاقاتهم الجديدة مع مجالهم المفقود… وتدخلت قوة الخيال بكثافة في هذه العملية"( محمد نعيم،1996). ولهذا كان من الطبيعي أن يولّد المنفى الفلسطيني ثقافته النقيضة التي لا تقف حدودها عند حق العودة بالمعنى الستاتيكي، بل تذهب بعيدا نحو المستقبل وكأنها تعيد الخلق من جديد. لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلا…" ( درويش، السفير، 2003).

" ولنا بلاد لا حدود لها، كفكرتنا عن المجهول، ضيقة وواسعة.

بلاد… حين نمشي في خريطتها تضيق بنا" ( من قصيدة ولنا بلاد)

 

الجدل الذي ولدته حالة المنفى الفلسطيني خلقت إطارا نفسيا وثقافيا ألقى بكل تأثيراته على إبداعات محمود درويش الشعرية والنثرية. فالفلسطينيون" اتخذوا من الثقافة، وسيلة للتعبئة والمقاومة، وتأكيد الهوية تحت الاحتلال وفي المنافي … وفي غمرة ذلك يتخلق وجه الثقافة الفلسطينية الجديدة، وتشييد ملامح المتخيل الجماعي عبر الكلمة، القصيدة، القصة، الرواية، اللوحة، الملصق، النشيد، الأغنية…" (محمد برادة، 1990). هكذا أخذت المعاني التي ولدت في سياق هذه المأساة تتحرك في وعي محمود درويش وإنتاجه الشعري لتأخذ مع الزمن واستمرار المأساة تجليات أدبية تذهب عميقا في وعيه الفردي وفي الوعي الجمعي عن الشعب الفلسطيني، لقد فجر المنفى الفلسطيني أسئلة وجودية وفلسفية عند درويش " الصعب هو علاقة تغير المكان بتغير الأنا، أو تغير الأنا وعلاقتها بتغير المكان. من الذي غير الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلّا…" ( درويش، السفير، 2003).

 

 هكذا تخطى مفهوم المنفى معنى الانتقال المباشر في المكان ليتحول إلى أبعاد نفسية وثقافية واجتماعية عميقة، هذا التحول أعاد بناء مفهوم العودة ليصبح إطارا وفضاء يعكس منظومة الأحلام الكبيرة والصغيرة للأفراد والجماعات، لقد أصبحت وظيفة المعنى في سياق واقع الاقتلاع  " بناء ملكوت مجرد ذهني فكري قيمي غير قابل للموت بموت الأشخاص ما دام قابلا للتوالد أو التجدد والامتداد، المعنى هو ما يشهره الإنسان في وجه الكوارث، فردية أو جمعية، وفي وجه العالم" (خالدة سعيد، 2008).

 

"لا ينظرون وراءهم ليودِّعوا منفى،
فإنَّ أمامهم منفى، لقد ألِفوا الطريق
الدائريَّ، فلا أمام ولا وراء، ولا
شمال ولا جنوب.
"لا تتذكروا من بعدنا
إلا الحياة".
(من قصيدة لا ينظرون وراءهم).

 

 

 وبقدر ما كانت هذه العملية المتفاعلة تتحرك في الواقع فإنها كانت تنعكس في نصوص درويش، التي أخذت مع تقدم ونضوج التجربة، تعيد بناء المعنى والنصّ معا. وبهذا المعنى يقول " عندما كنت خارج الوطن كنت أعتقد أن الطريق سيؤدي إلى البيت وأن البيت أجمل من الطريق إلى البيت. ولكن عندما عدت إلى ما يسمى البيت… غيرت هذا القول وقلت: ما زال الطريق إلى البيت أجمل من البيت لأن الحلم ما زال أكثر جمالا وصفاء من الواقع الذي أسفر عنه هذا الحلم" (درويش، السفير، 2008)، وفي ذات السياق يتحرك مفهوم "الوطن" فهو في لحظة “..وطني ليس حقيبة" وفي لحظة أخرى ".. وطني حقيبة"، هذه الحركة الملتبسة والمتناقضة في إبداعات محمود تعكس مستوى الارتقاء والحيوية المذهلة للمعنى في النصّ الذي يبدو ثابتا، وهو ما يؤشر إلى ذلك الصراع والتحول الصاخب في تجربة محمود الإبداعية والعامل الأكثر حسما وراء نجاحه في الارتقاء بالنصّ الفلسطيني ليصبح نصّا إنسانيا عالميا بامتياز دون أن يتنازل مطلقا عن خصوصيته الفلسطينية، ف"المنفى هو الذي عمق مفهوم البيت والوطن، كون المنفى نقيضا لهما" ( المصدر السابق).

 

" لا وطن ولا منفى هي الكلمات،
بل ولع البياض بوصف زهر اللوز
لا ثلج ولا قطن فما هو في
تعاليه على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابة مقطع
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضباب
عن التلال، وقال شعب كامل:
هذا هوَ
هذا كلام نشيدنا الوطني!"( من قصيدة لوصف زهر اللوز).

إذن، المنفى والعودة، عند محمود درويش حالة تفاعل اجتماعي وإنساني في منتهى العمق، قد لا يدرك البعض أو الكثير، ربما، ثقل هذه الأبعاد في البنية الاجتماعية - النفسية للاجيء الفلسطيني، وبناء على ذلك تجري، عادة، مقاربة مواقف جموع اللاجئين وكأنها مجرد حالة إنفعالية، أو مجرد تعبير عن مواقف سياسية عقلانية أو لا

المزيد