جريمة "شرف"!
(قصة قصيرة)
نصار إبراهيم
نيسان-2003
يجلس وحيداً في زاوية المقهى. وضع رأسه بين يديه واتكأ بمرفقيه على الطاولة الخشبية المزينة بحروق أعقاب السجائر.
مقهى رخيص، زجاجة عرق رخيصة، علبة سجائر رخيصة، وأغنية رخيصة تلعلع في الفضاء، ورجل ينوس برأسه وهو ينفث الدخان بكآبة.
المقهى يضجّ بشتائم لاعبي الطاولة وضحكاتهم. رجل عجوز يتكيء بذقنه على طرف عصاه يراقب حبتي الزهر تقفزان بعصبية على رقعة الطاولة.
يتناهى من الشارع زعيق السيارات، صراخ الباعة وصافرات شرطة المرور التي لا نهاية لها.
* * *
أدار العرق رأس الرجل…
" ما الذي فعلته يا ياسر الشعلان؟ كيف حصل ذلك؟ إنني أحبها كما لم أحبّ إنساناً في العالم، وجودها، ضحكتها، عناقها لي… راقبتها وهي تكبر أمام عينيّ، كنت قريباً من همسات روحها وأعماقها… ملأت عالمي بالأماني والحكايات والأسئلة التي لا نهاية لها… راحت تكبر كشجرة حور…"
" في الحقيقة لم أعد أحتمل أن أراها تنضج وتغادر براءة الطفولة لتدخل براءة المراهقة استعداداً لاقتحام عالم المرأة المليء بالإصرار والأسرار والتمرّد والبحث عن الذات… أو اكتشافها…
لم ألحظ تلك اللحظة الفاصلة التي فكّت فيها الشريط الأبيض الذي يزيّن نهاية ضفيرتها المترددة على ظهرها… لتطلق أمواج ليلها بكل صخبها وعنفها وأنوثتها… قدرها جعلها تبقى في نظري أقرب للصورة الفوتوغرافية الثابتة… تبهت الصورة، تصفرّ، تتكسر، يبصق عليها الذباب وهي هناك على جدار الغرفة… الوقفة ذاتها، الوجوه البلهاء ذاتها… الابتسامات المصطنعة ذاتها… والنظرة المستقيمة كعود يابس… لا علاقة لكل ذلك بنهر الزمن المتدفق في اتجاه واحد، نكبر، نشّب، نتزوج، يشيب شعرنا، ينخر السّوس أسناننا، تحيط التجاعيد عيوننا، تنحفر الأخاديد على جباهنا، ومع ذلك نستمر في محاولة القفز بذات الخفة، من فوق ذات الجدار الذي يرتفع متراً ونصف، لنجد أننا لم نعد قادرين على ذلك، فترتطم مؤخراتنا بالأرض… نتلفت حولنا بخجل، ثم ننهض وذيولنا بين سيقاننا ككلاب مهزومة…"
" نعم كان عليّ أن أفعل ذلك بلا تردّد… لم أحتمل ما أراه… بدأت همسات الجيران تصلني، الدّم يغلي، الوحش الرابض في داخلي يتمطّى، يكشّر عن أنيابه… كان الوقت عند الغروب… كانت تسير أمامي بعنفوان ودلال… إنها في الواقع جميلة… وفاتنة… طردت الأفكار من رأسي، لا أريد أن أرى وجهها الآخر، إنها الآن مجرد وصمة عار… عاهرة تدب على قدمين نحو قدرها المرعب…
التقت بالشاب… شاب وسيم فعلاً… تعلّقت بيده وسارا أمامي في الشارع الطويل الذي تتهامس على جانبيه أشجار الكينا، وتطلّ من وراء الجدران المنخفضة أشجار الليمون، فيما أغصان الياسمين تتهدّل بلا نظام… مثيرة أريجاً مسكراً…
سرت خلفهما على مسافة كافية لا تثير الانتباه، كانا يتهامسان، يضحكان… وقف الشاب فجأة أمام شجرة الياسمين، تطاول على رؤوس أصابعه وأخذ يجمع الأزهار البيضاء، هزّ الشجرة، فتساقطت الأزهار كندف الثلج على رصيف الشارع، ابتعدت ليلى إلى الوراء كي لا تدوس على الأزهار… انحنى الشاب نحو الأرض وأخذ يجمعها في كفّ يده… نظر في عيني ليلى…، عيناها السوداوا











