Yahoo!

علامات تعجّب!!!

تشرين الثاني 3rd, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , أدب

 

علامات تعجّب!!!

                                                                                              نصار إبراهيم

 (1)

بعد عشرين عاما عدت إلى وطني… ما أجمل قاعة المطار!

تقدّمتُ بكل ثقة: سلّمتُ على الموظّف بلغة عربية أصيلة وناولته جواز سفري مع ابتسامة عريضة. تفحّص الجواز، ثم نظر إليّ.

-         انتظر هناك!

-         لماذا( انحسرت الابتسامة تلقائيا)؟

-         "بلا كثرة حكي"، اجلس على المقعد.

جلست. بعد دقيقة نهضت. تقدمت من ذات الموظف ( دون ابتسامة، لا عريضة ولا ضيقة)، دفعت أمامه جواز سفري الأجنبي، نظر في الجواز، رفع رأسه مع ابتسامة عريضة، وختم الجواز.

-         أهلا وسهلا! لو سمحت أين ستقيم؟

-         What! I don’t speak Arabic

-         مش مهم، تفضل!

سرت مبتعدا، وأنا أتذكر… عندما كان يسألني أحدهم في بلاد غربتي: من أين أنت!؟

كنت أنفش ما تبقى لي من ريش، أهزّ عرفي، أرفرف بجناحيّ كأي ديك بلدي يستعد للصيّاح: أنا عربي!

 

 (2)

 

قبل عشرين عاما، عندما كان عمري عشرين عاما، لم أترك حيلة أو وسيلة أو عبارة لطشتها من كِتاب" رسائل العشّاق" - الذي اشتريته عن الرصيف بنصف قرش – إلا واستخدمتها لأقنع ابنة جيراننا، التي هي ابنة عمّي، كي تخرج معي في نزهة.

بعد عشرين عاما لم أترك حيلة إلاّ واستخدمتها ( أحرقت كتب رسائل العشّاق، مزّقت قصائد الغزل العذري  و…غير العذري، ولعنت كلَّ شعراء النّسيب والتّشبيب من أيام الجاهلية حتى نزار قبّاني) فقط لأقطع الطريق على ابنتي كي لا تخرج في نزهة مع ابن جيراننا، الذي هو ابن أخي!

 (3)

غادرت قريتي منذ ثلاثين سنة، يومها قبّلت يد والدي، قبّلت يد والدتي وطلبت منهما الرّضى والتوفيق،

 بعد  ثلاثين سنة عدت وقد " غزا الشّيب مفرقي…"!

قبلت يد والدي، قبّلت يد والدتي..

 أردت أن أقول شيئا..

قال والدي بحزم: اخرس يا ولد!

فاكتشفت أن عقارب ساعة الآباء لا تتحرك!

(4)

قال صديقي: عجيب أمر هؤلاء اليابانيين، يتفاخرون بأنهم يقتربون من لحظة تحويل الروبوت إلى إنسان!

قلت، بعد صمت: نحن أكثر عجبا ومكرا، فقد نجحنا منذ زمن في تحويل الإنسان إلى روبوت!

 

(5)

 

كان عمر ابن جارنا خمسة أعوام، كنت أحمله، أحاول تعليمه كيف يتسلق شجرة التّين ليقطف حبة ويأكلها، كان يبكي وهو ينزلق على ساقها. أقطف حبة تين كالعسل وأطعمه فيسكت…

الآن عمري سبعون عاما، أجلس متكئا على عكّازتي بجانب ساق شجرة التين ذاتها… ابن جارنا يملأ كفيه بحبات تين عسلية، يقدمها لي، ويسأل: هل تذكر؟

-         لا، لا أذكر!

أنظر إلي أغصان الشجرة: كم هي مرتفعة!

(6)

"مبروك جاءتكم بنت كالقمر"… صمت!

بعد عشر دقائق "مبروك، ولد " …تعلوا الزغاريد! واحتفاء يذبح الوالد ديك الدجاجات الوحيد.

بعد عقدين ونصف؛ زوّر الولد توقيع والده وباع البيت! صمت!

كافحت البنت، استردّت البيت، وزجّت الولد في السجن… تعلوا الزغاريد!

تذكّر الوالد ديك الدجاجات الوحيد وبكى!

(7)

رآها في الباحة، عيناها سوداوان وجذابتان، غمر وجهه بين صفحات كتاب ليخفي طيف ابتسامة عابرة. لاحقته وهو يمضي متعثرا، فابتسمت بصدق.

مع الأيام واصلت عيونهما الحوار…

رآها يوما تجلس على طرف المقعد الخشبي في ظلّ شجرة الصنوبر، لم ينظر إليها، اقترب وجلس على الطرف الآخر من المقعد، فتح كراسته وراح يحدّق بها. فتحت أحد الكتب وغاصت فيه.

تقدّم رجل يرتدي معطفا طويلا، جلس بينهما، التفت إليها، ثم التفت إليه، فتح الجريدة وأخذ يتابع صفحة الوفيات باستمتاع… ثم همس دون أن ينظر إلى أي منهما:

"ممنوع التجمع لأكثر من شخص واحد.. ممنوع السياسة.. مفهوم!"

(8)

استيقظتُ مع العصافير التي أخذت تقفز و تزقزق فورا، أما أنا فرحت أغسل وجهي بصمت!

المزيد


تحوّلات! (قصة)

تشرين الأول 3rd, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , أدب

 

تحوّلات!

(قصة)

 

                                                                                   نصار إبراهيم

                                                                        نيسان-2003

     ما حصل في ذلك اليوم لم يكن واضحاً أو مفهوماً. سرعة الأحداث لم تترك هامشاً لتفسير ما جرى.

    وجد سالم نفسه جالساً على " البرش " يتحسس أقدامه المتورّمة، يحسّ بالنار تسري من قدميه إلى رأسه بلا توقف أو هوادة…

    عشر عيون تراقبه بصمت، لم يقترب منه أحد، فقط العيون تفتش في الجسد والثياب والأقدام المنتفخة لعلها تجد تفسيراً لهذا الحضور الغريب…

    " أولاد الكلب لم يتركوا لحظة للكلام… أو التوضيح… لماذا أنا هنا، في هذه الزنزانة؟! " عيناه تتوهج من الألم… حاول أن يسترخي، أن يعيد ترتيب كيانه المتناثر… ولكن دون جدوى…

    "سالم، لماذا أنت هنا؟ ما الخطأ الذي ارتكبته؟! "

 

                                  *          *    *      

استفزّ حضور الرجل الغامض والغريب فضول نزلاء الزنزانة… رجل في العقد الخامس بملابس تقليدية، يعتمر الكوفيّة والعقال…. ماذا يفعل هنا، ولماذا تعرض لكل هذا التعذيب؟!

اقترب أحد المعتقلين بهدوء…

-          هل تحتاج إلى مساعدة؟! الأفضل أن تسترخي أن تنسى قدميك، حاول تجاهلهما بصورة تامة، لا تفكر في الألم، يوم أو يومين ويبدأ بالتلاشي            …سيتحول إلى ذكرى مؤلمة ومضحكة في آن…

رمق سالم الرجل بتوجس، ثم عاد للانشغال بقدميه الداميتين، فكّر قليلاً…

-          بارك الله فيك. قال موجهاً كلامه للرجل الجالس أمامه…

-          شو اسم الكريم؟

-          سالم . رد باقتضاب.

 

 

                             *                  *                  *

    " فقط أريد أن أستريح " همس سالم في نفسه… أسند ظهره للجدار مادّاً قدميه أمامه… نظر إلى النافذة الوحيدة في الزنزانة بقضبانها المتقاطعة… فشعر بانقباض وضيق…

ما بين اليقظة والنوم… تراءت له عصاً طويلة مرنة من الخيزران المنقوع بالماء ترتفع وتهوي بعويل على قدميه المرفوعتين نصف متر عن الأرض…

صرخات، ضحك وشتائم…

    " تكلّم يا حيوان…. " ..

صراخ ممزوج بالألم الغاضب والمهان…

    " عن ماذا أتكلم… ماذا تريدون مني… أنا لا أعرف شيئاً… اتركوني… "

اهتزّ رأس سالم على جدار الزنزانة… كان يغمغم بكلمات وأصوات ليس لها معنى… سوى التعبير المرير عن الألم العميق واليأس…

فتح عينيه، لم يعد يحتمل… بدا وكأنه تحت وطأة حلم مخيف… تنبهت حواسه… مدّ جسده، وضع رأسه على بطانية رمادية وأخذ يحملق في نافذة الزنزانة…

 

                             *                  *                  *

 

سالم، لا فائدة من استنزاف الوعي والطاقة في لحظة الألم المضني… ما حصل قد حصل… ولكن لماذا..؟

غادر خياله فضاء الزنزانة الكئيب… تحوّل إلى شعاع، إلى عصفور صغير، حلق خارجاً من بين القضبان، عبر الأسلاك الشائكة، أبراج الحراسة، مرّ أمام الرشاشات والبنادق. ارتفع وارتفع في الفضاء الممتد، تلاشى في سديم السماء، بدت التلال والهضاب مترامية بلونها الترابي الباهت، الهواء يثير أحاسيسه الغافية… ترك لجناحيه الحرية لترفرف برتابة بهيجة…

 

                             *                  *                  *

 

    إلى الشرق من بلدة " زعترة " … تتعانق الهضاب الجرداء تتخللها الأودية الصامتة… تهبط شرقاً كأغنية مع الريح لتطلّ على البحر الميت…

تستيقظ الذاكرة

    على تلك التلال… أمضى سالم معظم سنوات عمره، طفولته البسيطة والواضحة كما الجبال… في الربيع تزهر التلال… يغمرها شذى الشّيح والقيصوم… تتبرقش بالحنّون المتراقص صباحاً…

  كان  يتمدد في ظلال صخرة ويسرح بنظره وروحه في الكون… "آه يا  فاطمة! أين أنت الآن، ماذا تفعلين، كيف تدبرت الأمر مع قطيع الأغنام… لقد قلت لك

" بلاش هالزيارة للقدس " … لكنك أصرّيت..!!

" لا تفكر في الأغنام، عطية سيهتم بها… المهم أن تذهب، اليوم الجمعة… يجب أن تزور المسجد الأقصى… الرجال يذهبون كل جمعة، إلا أنت… اذهب يا رجل… دعني أتفاخر بأن أبو عطية صلّى اليوم في القدس…"

    " لم تكن عندي مشكلة في الصلاة، المشكلة أنني لا أتحمل ضجيج المدينة… أشعر بشوارعها وسياراتها ومحالها وكأنها تبتلعني. أحسّ فيها بالضياع والغربة، منذ أن تطأ قدماي أسواقها تركبني عفاريت القلق والخوف… لم أتعود على الزّحام وفقدان الذات في الجموع…" 

                             *                  *                  *

    نهض مع صياح الديك… توضأ وصلى الفجر… تفقّد حظيرة الأغنام، اتكأ على جدار الحجارة وأخذ يتفقد القطيع رأساً رأساً… كانت الخراف تجتر بسلام…

جلس عند الموقد أمام الخيمة، فاطمة أشاعت مع الفجر رائحة الخبز البكر… تناول رغيفاً وأخذ يأكل بصمت…

" انتبهي يا فاطمة، لا تدعي صغار الخراف تهرب مع القطيع… جهزي الطعام والماء لعطية…، عند الضحى عليه أن يسقي القطيع من البئر… يجب أن تشرب في هذا الحرّ…"

-          لا تخف، اطمئن… هذه ليست المرّة الأولى التي تترك فيها الأغنام مع عطية..

-          ولكن يا فاطمة…

-          توكّل على الله…

انتهى الحوار…

مع إطلالة الصباح، ارتدى سالم قمبازه، اعتمر كوفيته وأحكمها بالعقال على رأسه..تحسس محفظته وهويته ومضى..

 

                             *                  *                  *

 

    حشر نفسه في السّيارة، ألقى تحية الصباح وجلس صامتاً… مضت السّيارة تتلوى مع الطريق نحو القدس، لم يكن هناك ما يلفت الأنظار في ذلك الصباح الفلسطيني العادي…

المزيد


جريمة “شرف”! (قصة قصيرة)

تشرين الأول 1st, 2009 كتبها nassaribra nassaribra نشر في , أدب, غير مصنف

جريمة "شرف"!

 (قصة قصيرة)

نصار إبراهيم

           نيسان-2003

  

 يجلس وحيداً في زاوية المقهى. وضع رأسه بين يديه واتكأ بمرفقيه على الطاولة الخشبية المزينة بحروق أعقاب السجائر.

مقهى رخيص، زجاجة عرق رخيصة، علبة سجائر رخيصة، وأغنية رخيصة تلعلع في الفضاء، ورجل ينوس برأسه وهو ينفث الدخان بكآبة.

    المقهى يضجّ بشتائم لاعبي الطاولة وضحكاتهم. رجل عجوز يتكيء بذقنه على طرف عصاه يراقب حبتي الزهر تقفزان بعصبية على رقعة الطاولة.

يتناهى من الشارع زعيق السيارات، صراخ الباعة وصافرات شرطة المرور التي لا نهاية لها.

 

                        *               *               *

 

    أدار العرق رأس الرجل…

    " ما الذي فعلته يا ياسر الشعلان؟ كيف حصل ذلك؟ إنني أحبها كما لم أحبّ إنساناً في العالم، وجودها، ضحكتها، عناقها لي… راقبتها وهي تكبر أمام عينيّ، كنت قريباً من همسات روحها وأعماقها… ملأت عالمي بالأماني والحكايات والأسئلة التي لا نهاية لها… راحت تكبر كشجرة حور…"

    " في الحقيقة لم أعد أحتمل أن أراها تنضج وتغادر براءة الطفولة لتدخل براءة المراهقة استعداداً لاقتحام عالم المرأة المليء بالإصرار والأسرار والتمرّد والبحث عن الذات… أو اكتشافها…

    لم ألحظ تلك اللحظة الفاصلة التي فكّت فيها الشريط الأبيض الذي يزيّن نهاية ضفيرتها المترددة على ظهرها… لتطلق أمواج ليلها بكل صخبها وعنفها وأنوثتها… قدرها جعلها تبقى في نظري أقرب للصورة الفوتوغرافية الثابتة… تبهت الصورة، تصفرّ، تتكسر، يبصق عليها الذباب وهي هناك على جدار الغرفة… الوقفة ذاتها، الوجوه البلهاء ذاتها… الابتسامات المصطنعة ذاتها… والنظرة المستقيمة كعود يابس… لا علاقة لكل ذلك بنهر الزمن المتدفق في اتجاه واحد، نكبر، نشّب، نتزوج، يشيب شعرنا، ينخر السّوس أسناننا، تحيط التجاعيد  عيوننا، تنحفر الأخاديد على جباهنا، ومع ذلك نستمر في محاولة القفز بذات الخفة، من فوق ذات الجدار الذي يرتفع متراً ونصف، لنجد أننا لم نعد قادرين على ذلك، فترتطم مؤخراتنا بالأرض… نتلفت حولنا بخجل، ثم ننهض وذيولنا بين سيقاننا ككلاب مهزومة…"

    " نعم  كان عليّ أن أفعل ذلك  بلا تردّد… لم أحتمل ما أراه… بدأت همسات الجيران تصلني، الدّم يغلي، الوحش الرابض في داخلي يتمطّى، يكشّر عن أنيابه… كان الوقت عند الغروب… كانت تسير أمامي بعنفوان ودلال… إنها في الواقع جميلة… وفاتنة… طردت الأفكار من رأسي، لا أريد أن أرى وجهها الآخر، إنها الآن مجرد وصمة عار… عاهرة تدب على قدمين نحو قدرها المرعب…

    التقت بالشاب… شاب وسيم فعلاً… تعلّقت بيده وسارا أمامي في الشارع الطويل الذي تتهامس على جانبيه أشجار الكينا، وتطلّ من وراء الجدران المنخفضة أشجار الليمون، فيما أغصان الياسمين تتهدّل بلا نظام… مثيرة أريجاً مسكراً…

    سرت خلفهما على مسافة كافية لا تثير الانتباه، كانا يتهامسان، يضحكان… وقف الشاب فجأة أمام شجرة الياسمين، تطاول على رؤوس أصابعه وأخذ يجمع الأزهار البيضاء، هزّ الشجرة، فتساقطت الأزهار كندف الثلج على رصيف الشارع، ابتعدت ليلى إلى الوراء كي لا تدوس على الأزهار… انحنى الشاب نحو الأرض وأخذ يجمعها في كفّ يده… نظر في عيني ليلى…، عيناها السوداوا

المزيد