Yahoo!

علامات تعجّب!!!

كتبهاnassaribra nassaribra ، في 3 تشرين الثاني 2009 الساعة: 06:58 ص

 

علامات تعجّب!!!

                                                                                              نصار إبراهيم

 (1)

بعد عشرين عاما عدت إلى وطني… ما أجمل قاعة المطار!

تقدّمتُ بكل ثقة: سلّمتُ على الموظّف بلغة عربية أصيلة وناولته جواز سفري مع ابتسامة عريضة. تفحّص الجواز، ثم نظر إليّ.

-         انتظر هناك!

-         لماذا( انحسرت الابتسامة تلقائيا)؟

-         "بلا كثرة حكي"، اجلس على المقعد.

جلست. بعد دقيقة نهضت. تقدمت من ذات الموظف ( دون ابتسامة، لا عريضة ولا ضيقة)، دفعت أمامه جواز سفري الأجنبي، نظر في الجواز، رفع رأسه مع ابتسامة عريضة، وختم الجواز.

-         أهلا وسهلا! لو سمحت أين ستقيم؟

-         What! I don’t speak Arabic

-         مش مهم، تفضل!

سرت مبتعدا، وأنا أتذكر… عندما كان يسألني أحدهم في بلاد غربتي: من أين أنت!؟

كنت أنفش ما تبقى لي من ريش، أهزّ عرفي، أرفرف بجناحيّ كأي ديك بلدي يستعد للصيّاح: أنا عربي!

 

 (2)

 

قبل عشرين عاما، عندما كان عمري عشرين عاما، لم أترك حيلة أو وسيلة أو عبارة لطشتها من كِتاب" رسائل العشّاق" - الذي اشتريته عن الرصيف بنصف قرش – إلا واستخدمتها لأقنع ابنة جيراننا، التي هي ابنة عمّي، كي تخرج معي في نزهة.

بعد عشرين عاما لم أترك حيلة إلاّ واستخدمتها ( أحرقت كتب رسائل العشّاق، مزّقت قصائد الغزل العذري  و…غير العذري، ولعنت كلَّ شعراء النّسيب والتّشبيب من أيام الجاهلية حتى نزار قبّاني) فقط لأقطع الطريق على ابنتي كي لا تخرج في نزهة مع ابن جيراننا، الذي هو ابن أخي!

 (3)

غادرت قريتي منذ ثلاثين سنة، يومها قبّلت يد والدي، قبّلت يد والدتي وطلبت منهما الرّضى والتوفيق،

 بعد  ثلاثين سنة عدت وقد " غزا الشّيب مفرقي…"!

قبلت يد والدي، قبّلت يد والدتي..

 أردت أن أقول شيئا..

قال والدي بحزم: اخرس يا ولد!

فاكتشفت أن عقارب ساعة الآباء لا تتحرك!

(4)

قال صديقي: عجيب أمر هؤلاء اليابانيين، يتفاخرون بأنهم يقتربون من لحظة تحويل الروبوت إلى إنسان!

قلت، بعد صمت: نحن أكثر عجبا ومكرا، فقد نجحنا منذ زمن في تحويل الإنسان إلى روبوت!

 

(5)

 

كان عمر ابن جارنا خمسة أعوام، كنت أحمله، أحاول تعليمه كيف يتسلق شجرة التّين ليقطف حبة ويأكلها، كان يبكي وهو ينزلق على ساقها. أقطف حبة تين كالعسل وأطعمه فيسكت…

الآن عمري سبعون عاما، أجلس متكئا على عكّازتي بجانب ساق شجرة التين ذاتها… ابن جارنا يملأ كفيه بحبات تين عسلية، يقدمها لي، ويسأل: هل تذكر؟

-         لا، لا أذكر!

أنظر إلي أغصان الشجرة: كم هي مرتفعة!

(6)

"مبروك جاءتكم بنت كالقمر"… صمت!

بعد عشر دقائق "مبروك، ولد " …تعلوا الزغاريد! واحتفاء يذبح الوالد ديك الدجاجات الوحيد.

بعد عقدين ونصف؛ زوّر الولد توقيع والده وباع البيت! صمت!

كافحت البنت، استردّت البيت، وزجّت الولد في السجن… تعلوا الزغاريد!

تذكّر الوالد ديك الدجاجات الوحيد وبكى!

(7)

رآها في الباحة، عيناها سوداوان وجذابتان، غمر وجهه بين صفحات كتاب ليخفي طيف ابتسامة عابرة. لاحقته وهو يمضي متعثرا، فابتسمت بصدق.

مع الأيام واصلت عيونهما الحوار…

رآها يوما تجلس على طرف المقعد الخشبي في ظلّ شجرة الصنوبر، لم ينظر إليها، اقترب وجلس على الطرف الآخر من المقعد، فتح كراسته وراح يحدّق بها. فتحت أحد الكتب وغاصت فيه.

تقدّم رجل يرتدي معطفا طويلا، جلس بينهما، التفت إليها، ثم التفت إليه، فتح الجريدة وأخذ يتابع صفحة الوفيات باستمتاع… ثم همس دون أن ينظر إلى أي منهما:

"ممنوع التجمع لأكثر من شخص واحد.. ممنوع السياسة.. مفهوم!"

(8)

استيقظتُ مع العصافير التي أخذت تقفز و تزقزق فورا، أما أنا فرحت أغسل وجهي بصمت!

ارتديت ملابسي، وقفت على رصيف الشارع، رفعت يدي فتوقّفت سيارة تاكسي. واصلت العصافير زقزقتها.

- صباح الخير.

- صباح النور… إلى أين يا أخ؟ قال السائق مبتسما.

-         إلى دائرة المخابرات!

صَمَتُّ، وصمت السائق أيضا. أما العصافير فواصلت عبثها وزقزقتها!

(9)

وقف أمام المرآة، حدّق في عمقها، خواء وفراغ، لا يشعر بشيء؛ الحب، الغضب، الحزن، البكاء، الضحك، الغناء، النصر، الهزيمة، التقدم، التراجع، التحفز، الخضوع، الانتظار، الرحيل، الصعود، الهبوط، الرفض، القبول، النهوض، التمرد…. تحسّس جسده، بنية قوية، قامة مشدودة، ولكن لا شيء ينعكس في المرآة…

نظر مرة أخرى، لا شيء، همس: إنّا لله وإنّا إليه راجعون!

(10)

وحيدا عند حافة الصحراء، تأمّل قرص الشمس يغرق في كثبان الرمال، جمع بعض جذور النباتات الصحراوية الجافة، جلس بجانب صخرة، أشعل النّار واتكأ بجانبها ووجهه نحو الصحراء المفتوحة… فرقعت الجذور وهي تشتعل، تطايرت بعض الشرارات وذابت في العتمة… ساد الصمت … ثم … اندمج في حديث شامل مع شعلة النار المتراقصة في عتمة الصحراء الشاسعة… حينها غمرته البهجة، انقلب على ظهره، وضع رجلا على رجل ويده تحت رأسه، وابتسم.  لم يعد وحيدا!

(11)

وقفت وراء الإمام بكل خشوع: "سوّوا الصفوف، فإن الله لا يحب أن ينظر إلى الصفّ الأعوج"!

قلت:نحن أمّة النظام، ننتظم في خمس صلوات، وكل صلاة لها ميقاتها، نصوم لرؤيته ونفطر لرؤيته، نصطف وراء الإمام كما يجب، نظام أين منه ما حدّث به ماركس عن انضباط البروليتاريا في مصانع البرجوازية!

بعد ساعة مزّقت قميص رجل أمام الفرن وتمكنت من اختطاف بقايا ربطة خبز، لقد نجحت في تخطي رجلين وطفل كانا يقفان أمامي، غادرت مع بسمة انتصار وعشر شتائم!

(12)

صعدت إلى الحافلة، جلست بجانب رجل يجلس بجانب الشباك، أخرج مسبحته، أخرجت مسبحتي ورحنا نتمتم.

أخرج رأسه من الشباك وبصق في الهواء، فأصاب ببراعة قنّاص زجاج سيارة مارّة، فشتم السائق أمهاتنا وشتمنا أمه، نظر جاري إليّ وقال: كم هو وقح!

تابعنا تسبيحنا ورحلتنا لنلحق بصلاة الجماعة!

 

 

(13)

حدثني جدّي قال: أسندت ظهري إلى جذع توتة هرمة، غفوت ثم صحوت، كنت ما بين صاح ونائم،  خيّل لي خيال ضبع، وقف أمامي، تأملني، ألقى التحية ومضى في طريقه، فجأة أقبلت دجاجة تمتطي ثعلبا وتشتم والديه، ابتسم لها وواصل يخبّ كحصان. تبعها خروف يطارد ذئبا، اختبأ الذئب وراء ظهري وطلب الأمان، فأمن!

فجأة شاهدت سلطاننا – أطال الله عمره- يغفو في ظل شجرة رمّان… لا حرس، لا سيوف ولا رماح ولا رشاشات، قلت في سرّي: "عدلت فأمنت فنمت"!

استيقظت على رفسة في صدري؛ كان سلطاننا – أطال الله عمره – أيقظني وشتم والديّ، وقريبا كان ثعلب ينتف ما تبقى من ريش دجاجة تصيح، وأبعد قليلا كان ذئب يشق خروفا إلى نصفين، ومن بين أغصان شجرة التوت الهرمة جاءني صوت: بتستاهل! كانت زوجتي تقطف حبّات التوت وتضحك!

أما الضبع فأقعى ليس ببعيد، منتظرا أن يغادر الجميع ليقوم بواجبه!

(14)

 

فجأة، لمع البرق وهزم الرعد، وانفتحت أبواب السماء مدرارا، كان ذلك في تموز، ليس أكثر من ربع ساعة، لكنها كانت كافية لتندفع السيول جارفة التربة والصخور، وكما أمطرت فجأة توقفت فجأة، وعادت شمس تموز لسيرتها.

ناداني والدي: هيا لنرى ماذا حلّ بحقل البندورة.

كانت الأرض قد اغتسلت للتوّ فشاعت رائحة النباتات والتربة الرطبة، انحدرنا عبر التلّة الموحلة والزّلِقة، وصلنا الحقل، فهالني منظر أشتال البندورة المبعثرة، لقد دمرت الأمطار معظم الحقل. جلست منهارا على الأرض.

تابعت والدي وهو يسير مع حدود الحقل، لم يتفوّه بكلمة واحدة، كان صامتا. غادرنا الحقل. كنت محبطا ويائسا!

 بعد ثلاثة أيام، ناداني: هيّا بنا.

سرت خلفه وفي يدي تتأرجح سلّة من عيدان القصب وفيها أشتال البندورة …

أمسك والدي بالفأس وبدأ يحفر ويزرع بصمت وإصرار، وأنا أيضا. عند مغيب الشمس انتهينا… وقف عند طرف الحقل وتأمله، خيّل لي طيف ابتسامة، وغادرنا عائدين.

بعد شهرين. كنت أسير بين شجيرات البندورة، أصبحت الأشتال بطولي، رحت أجمع الحبّات الحمراء في سلّة، ليس بعيدا كان والدي يمشي بين النباتات المتعربشة وهو يصفّر، أرسل نحوي نظرة خاطفة فتواريت بين الأشتال بخجل!

(15)

هيمنت على "الصّوص" رغبة عارمة في الطيران، تخيّل نفسه صقرا يجوب الأزرق المطلق، السماء المفتوحة، سهول القمح الشاسعة. رفرف بجناحيه، حاول وحاول، لكنه لم يرتفع وكأن قوة ساحقة تشدّه نحو الأسفل.

مرّة أخرى حشد ذاته، طاقته. تحفّز، استفزّ كل ما في أعماقه من إرادة ووعي ورغبة وأحلام لينطلق محلّقا… رفرف بجناحيه، رفرف ورفرف … ولكن دون جدوى.

توقّف عن المحاولة.. سكن تماما. نظر حوله بيأس…ثم اتسعت عيناه دهشة، كل ما حوله أبيض تماما: "ماذا!؟… لقد نسيت.. نسيت أن أفقس! نسيت أن أنقر قشر البيضة! ".

 

تشرين ثاني/2009

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك