Yahoo!

تحوّلات! (قصة)

كتبهاnassaribra nassaribra ، في 3 تشرين الأول 2009 الساعة: 06:32 ص

 

تحوّلات!

(قصة)

 

                                                                                   نصار إبراهيم

                                                                        نيسان-2003

     ما حصل في ذلك اليوم لم يكن واضحاً أو مفهوماً. سرعة الأحداث لم تترك هامشاً لتفسير ما جرى.

    وجد سالم نفسه جالساً على " البرش " يتحسس أقدامه المتورّمة، يحسّ بالنار تسري من قدميه إلى رأسه بلا توقف أو هوادة…

    عشر عيون تراقبه بصمت، لم يقترب منه أحد، فقط العيون تفتش في الجسد والثياب والأقدام المنتفخة لعلها تجد تفسيراً لهذا الحضور الغريب…

    " أولاد الكلب لم يتركوا لحظة للكلام… أو التوضيح… لماذا أنا هنا، في هذه الزنزانة؟! " عيناه تتوهج من الألم… حاول أن يسترخي، أن يعيد ترتيب كيانه المتناثر… ولكن دون جدوى…

    "سالم، لماذا أنت هنا؟ ما الخطأ الذي ارتكبته؟! "

 

                                  *          *    *      

استفزّ حضور الرجل الغامض والغريب فضول نزلاء الزنزانة… رجل في العقد الخامس بملابس تقليدية، يعتمر الكوفيّة والعقال…. ماذا يفعل هنا، ولماذا تعرض لكل هذا التعذيب؟!

اقترب أحد المعتقلين بهدوء…

-          هل تحتاج إلى مساعدة؟! الأفضل أن تسترخي أن تنسى قدميك، حاول تجاهلهما بصورة تامة، لا تفكر في الألم، يوم أو يومين ويبدأ بالتلاشي            …سيتحول إلى ذكرى مؤلمة ومضحكة في آن…

رمق سالم الرجل بتوجس، ثم عاد للانشغال بقدميه الداميتين، فكّر قليلاً…

-          بارك الله فيك. قال موجهاً كلامه للرجل الجالس أمامه…

-          شو اسم الكريم؟

-          سالم . رد باقتضاب.

 

 

                             *                  *                  *

    " فقط أريد أن أستريح " همس سالم في نفسه… أسند ظهره للجدار مادّاً قدميه أمامه… نظر إلى النافذة الوحيدة في الزنزانة بقضبانها المتقاطعة… فشعر بانقباض وضيق…

ما بين اليقظة والنوم… تراءت له عصاً طويلة مرنة من الخيزران المنقوع بالماء ترتفع وتهوي بعويل على قدميه المرفوعتين نصف متر عن الأرض…

صرخات، ضحك وشتائم…

    " تكلّم يا حيوان…. " ..

صراخ ممزوج بالألم الغاضب والمهان…

    " عن ماذا أتكلم… ماذا تريدون مني… أنا لا أعرف شيئاً… اتركوني… "

اهتزّ رأس سالم على جدار الزنزانة… كان يغمغم بكلمات وأصوات ليس لها معنى… سوى التعبير المرير عن الألم العميق واليأس…

فتح عينيه، لم يعد يحتمل… بدا وكأنه تحت وطأة حلم مخيف… تنبهت حواسه… مدّ جسده، وضع رأسه على بطانية رمادية وأخذ يحملق في نافذة الزنزانة…

 

                             *                  *                  *

 

سالم، لا فائدة من استنزاف الوعي والطاقة في لحظة الألم المضني… ما حصل قد حصل… ولكن لماذا..؟

غادر خياله فضاء الزنزانة الكئيب… تحوّل إلى شعاع، إلى عصفور صغير، حلق خارجاً من بين القضبان، عبر الأسلاك الشائكة، أبراج الحراسة، مرّ أمام الرشاشات والبنادق. ارتفع وارتفع في الفضاء الممتد، تلاشى في سديم السماء، بدت التلال والهضاب مترامية بلونها الترابي الباهت، الهواء يثير أحاسيسه الغافية… ترك لجناحيه الحرية لترفرف برتابة بهيجة…

 

                             *                  *                  *

 

    إلى الشرق من بلدة " زعترة " … تتعانق الهضاب الجرداء تتخللها الأودية الصامتة… تهبط شرقاً كأغنية مع الريح لتطلّ على البحر الميت…

تستيقظ الذاكرة

    على تلك التلال… أمضى سالم معظم سنوات عمره، طفولته البسيطة والواضحة كما الجبال… في الربيع تزهر التلال… يغمرها شذى الشّيح والقيصوم… تتبرقش بالحنّون المتراقص صباحاً…

  كان  يتمدد في ظلال صخرة ويسرح بنظره وروحه في الكون… "آه يا  فاطمة! أين أنت الآن، ماذا تفعلين، كيف تدبرت الأمر مع قطيع الأغنام… لقد قلت لك

" بلاش هالزيارة للقدس " … لكنك أصرّيت..!!

" لا تفكر في الأغنام، عطية سيهتم بها… المهم أن تذهب، اليوم الجمعة… يجب أن تزور المسجد الأقصى… الرجال يذهبون كل جمعة، إلا أنت… اذهب يا رجل… دعني أتفاخر بأن أبو عطية صلّى اليوم في القدس…"

    " لم تكن عندي مشكلة في الصلاة، المشكلة أنني لا أتحمل ضجيج المدينة… أشعر بشوارعها وسياراتها ومحالها وكأنها تبتلعني. أحسّ فيها بالضياع والغربة، منذ أن تطأ قدماي أسواقها تركبني عفاريت القلق والخوف… لم أتعود على الزّحام وفقدان الذات في الجموع…" 

                             *                  *                  *

    نهض مع صياح الديك… توضأ وصلى الفجر… تفقّد حظيرة الأغنام، اتكأ على جدار الحجارة وأخذ يتفقد القطيع رأساً رأساً… كانت الخراف تجتر بسلام…

جلس عند الموقد أمام الخيمة، فاطمة أشاعت مع الفجر رائحة الخبز البكر… تناول رغيفاً وأخذ يأكل بصمت…

" انتبهي يا فاطمة، لا تدعي صغار الخراف تهرب مع القطيع… جهزي الطعام والماء لعطية…، عند الضحى عليه أن يسقي القطيع من البئر… يجب أن تشرب في هذا الحرّ…"

-          لا تخف، اطمئن… هذه ليست المرّة الأولى التي تترك فيها الأغنام مع عطية..

-          ولكن يا فاطمة…

-          توكّل على الله…

انتهى الحوار…

مع إطلالة الصباح، ارتدى سالم قمبازه، اعتمر كوفيته وأحكمها بالعقال على رأسه..تحسس محفظته وهويته ومضى..

 

                             *                  *                  *

 

    حشر نفسه في السّيارة، ألقى تحية الصباح وجلس صامتاً… مضت السّيارة تتلوى مع الطريق نحو القدس، لم يكن هناك ما يلفت الأنظار في ذلك الصباح الفلسطيني العادي…

    في المقعد الخلفي التصق ثلاثة شبان يتهامسون ويضحكون…

" الآن مفروض أن يكون عطية قد سرح بالقطيع.."

مضى كل شيء بصورة رتيبة.

" نعم، شيء جميل أن أصلّي في القدس… من زمان لم أزر الأقصى… سأشترى بعض الحلوى للأولاد… ومنديل لفاطمة، فاطمة التي شقّت معي دروب الحياة بكل قسوتها، تحملت وتعبت، كانت دائماً تقف كالرمح إلى جانبي كلما أحسّت بأنني أفقد صلابتي أو اندفاعي…

فاطمة بوجهها الحنطي وعيونها العسلية الواسعة، أحب ضحكتها ووضوحها…"

 

    صرّت فرامل السيارة فجأة، قطعت على سالم أفكاره وذكرياته… نظر عبر زجاج النافذة الأمامي… حاجز عسكري فجائي…

ماذا هناك؛ ساد التوتر في السيارة… ارتبك الشبان الثلاثة في المقعد الخلفي….

    تقدم ثلاثة جنود بسرعة… أحاطوا بالسيارة وأسلحتهم مشرعة…

    " لينزل الجميع من السيارة بسرعة "…

نزل سالم. غادر الشبان الثلاثة المقعد الخلفي… دفعهم الجندي إلى جانب الطريق، طلب منهم بطاقات الهوية… أخذها وغاب داخل جيب عسكري يقف على مسافة، فيما بقي جنديان يحيطان بالمجموعة…

بعد ربع ساعة… هبط من الجيب ثلاثة جنود آخرين وصرخوا :

" تقدموا جميعاً، إلى السيارة العسكرية أيديكم فوق رؤوسكم.."

حاول سالم أن يحتج، لكن أحد الجنود دفعه بعقب البندقية : " اخرس، بدون كلام…"

    أمر الجنود الأربعة بالجلوس على أرضية السيارة دون كلام و رؤوسهم نحو الأرض … وانطلق الجيب مسرعا.

 

                             *                  *                  *

 

    الأمر واضح إذن، عليه أن يعترف بالعلاقة التي تربطه بالشبّان الثلاثة….

 أقسم بكل المقدسات، أنه لم يرهم أو يلتق بهم إلا في السيّارة… لم يغير ذلك شيئاً….

    " أنت كذّاب، توفر لهؤلاء الإرهابيين المأوى والطعام… تحاول أن تخدعنا بمظهرك البريء وحياتك البسيطة… إننا نعرفكم أيها الملاعين، أنتم كالثعابين… ليس أمامك طريق سوى الاعتراف…إنك إرهابي مثلهم بل وأسوأ منهم، هم لا زالوا شباناً أغرارا أما أنت فتعرف أين تضع قدميك…. اعترف أفضل لك…"

    ثمانية عشر يوماً فقد خلالها الإحساس بالزمن… تمزقت أقدامه، طالت لحيته، ازداد نحافة وتجهّما… الوقت يمضي ثقيلاً كالرصاص….

" هل هم مجانين أم حمقى؟ أمضيت حياتي مشغولاً بذاتي، بدائرتي الضيقة، والآن  ها أنت يا سالم تقع على رأسك مرّة واحدة… هل كان عليّ أن أزور القدس في هذا اليوم بالذات…. سامحك الله يا فاطمة… ؟؟؟؟ ما هذه الورطة… قال إرهابي..!!"

 

                             *                  *                  *

 

    مرّت ثلاثة أشهر على ذلك اليوم المشؤوم… كانت أقسى من شوك المرير، ومع ذلك كانت كافية ليستعيد سالم بعضاً من ملامحه الأولى، تراجعت وطأة التحقيق، لكنه لم يغادر دائرة الاتهام… ترك يأكل ذاته في غرف الزنازين…

    تحولات لا مرئية تحفر في العمق… مع الأيام أخذ يقترب من دائرة نزلاء الزنزانة، يجلس صامتاً، يستمع، أحياناً ينزوي وحيداً… لكن أذناه وعيناه تلتقطان الأحاديث والسلوك لأناس يعاشرهم للمرة الأولى… بدأ يدرك معنى زمالة السجن… لم يكن الأسرى يملكون ترف الصراع على تفاصيل الحياة الطبيعية، كانوا مشغولين بنمط آخر من الصراع.. صراع القيم، المواقف، المثاليات…لم يكن يدرك معنى كل ذلك لكنه يحسّ به في أعماقه… صحيح أنه يعشق الأرض… لكنه الآن يسمع مفردات مثل الوطن، الحرية…الاحتلال.. المقاومة… التنظيم… ورغم أنها مفردات جديدة عليه لكنها تبقى في دائرة الإدراك العفوي…

الأمر الذي كان يستعصي عليه ينتمي لدائرة أخرى من المفردات التي تبدو له مبهمة، وغامضة… التقدم، حرية المرأة، الطبقة، قوّة العمل… كانت أذناه تنتصبان ككلب صيد ومع ذلك لم يوفق في الذهاب لما وراء تلك المفردات العصيّة…

" حاول يا سالم… دعنا نعلمك القراءة…" لكنه كان يرفض بإصرار… الأمر الذي كان يثير سخط وغضب البعض، لكنهم كانوا يكبتون غيظهم… لقد أحسّوا مع الأيام أنهم أمام رجل بسيط وعفوي، لكنه صلب كصخرة، عصّي كالحلم… واضح وحاسم… الأمر الذي كان يحفظ له مسافة كافية من الاحترام… لم يكن يسمح لأحد بالاستهزاء أو المزاح الأرعن… نظرة غاضبة من الأعماق كانت كافية لتضع حدّاً حتى لأشد نزلاء الزنزانة سطوة…

 

    " حدثنا يا سالم.." كان يعلّم بطريقته، يستحضر الطبيعة، لم يكن بحاجة لمن يذكره بأهمية احترام الكلمة أو السّر… كان يعرف أن هذه من سمات الرجل الأصيل… أقل الكلمات والمجازات، تخطّى أدقّ اختبار عندما لم يتحول إلى عنوان سخرية بحكم حياته ولباسه وتقاليده ومعتقداته التي هي أقرب للبداوة… لقد تخطى كل التفاهات التي تحفل بها الأغاني والمسلسلات البائسة حول سلوك البدوي وتقاليده، فبدت من خلاله، عميقة تفرض شحنتها الصادقة بامتداداتها السحيقة في أساطير الحياة والخلق والطبيعة… وبهذا استعادت أبعادها الروحية والفلسفية، إنها معه ليست فلكلوراً أو ديكوراً مشوهاً، بل نوع من التكيف والتناغم المدهش… في إدراك واحترام جمال وعطاء الطبيعة ونزواتها أيضاً…

 

    " ولكن حدثنا يا عم سالم عن فاطمة…" يقول أحد الشبان وهو يداري ابتسامته..

يلتفت إليه سالم، يحدق فيه بعمق " أترك فاطمة وشأنها أيها الشاب " عبارة صارمة بهدوئها… فيسارع الشاب للاعتذار…

 

إلا أن فاطمة لا تغادر خياله.. إنها هناك تضيء بحضورها لحظات الكآبة والألم… إنها محطة أمان، حقل العشب الذي يرتمي عليه عندما تضيق روحه… قوّة دافعة تمنحه الصلابة… الذئبة الذكية الجميلة والحازمة… منديلها الأبيض، عيناها العسليتان، جسدها الصلب الممتلئ… نظراتها العاشقة بدون كلام… لهذا كان محظوراً الاقتراب من دائرة النار والحب تلك… إنها شأن خاص إلى أبعد الحدود… شأن خاص يحظى باحترام شاسع وحنون على امتداد القلب والذاكرة.

 

                             *                  *                  *

 

    بدا سالم في الأسبوع الأخير من اعتقاله… ساهماً… ينظر في اللاشيء… شيء ما يدوي في أعماقه… قليل الكلام… لقد حطّم الاعتقال والتحقيق حقائق كثيرة في أعماقه…

" هل الأمر بهذه البساطة… أشهر في الزنازين فقط لأنني أردت أن اصلي الجمعة في القدس. التعذيب، الإهانة، الشتائم، فقط لأنني ركبت تلك السيارة وليس سيارة أخرى. هل الاستخفاف والاحتقار وصلا إلى هذا الحد!! يأمروننا بالوقوف أو الجلوس متى يشاءون، يعتقلوننا ويضربوننا بالطريقة التي يريدون، يمنعوننا من احتضان أطفالنا أو تأمل زوجاتنا هكذا لأنهم يملكون القوّة… كم أنت بائس يا سالم وأنت تعتقد طوال عمرك بأنك حرّ وطليق في صحراء "زعترة"

    بذرة ما نبتت في تلك الأشهر… راحت تنمو وتتغذى وتعيد صياغة الأمور..

ودّع سالم رفاق الزنازين. خرج. ولكن ليس كما جاء..

 

*             *                *

 

من يومها لم يعد أحد يراه.  غاص في الصحراء. تلاشى. اختفى. في ثنايا الأفق…أخرج بندقيته المدفونة كالحرز. نظفها. تشممها. داعبها كخدود طفل."سمراء كالعروس" هكذا يحب أن يصفها.. مضى سالم نحو قدره كمحراث عنيد..

 

                     *                *                *

بين وقت وآخر تداهم قوات الاحتلال بيته.. تقف فاطمة أمام الخيمة هادئة شامخة.. " لا تبحثوا إنه لا يزورنا، لقد اختفى من سنتين..ربما أنه مات. لا أدري!!".

" ولكنك حامل، من أين لك هذا!!؟"

تمسّد بطنها المتكور وهي تبتسم… " ماذا أقول لكم، من الله..!!"

    يغادر الجنود وهم يشتمون.. تلاحقهم زوبعة من الغبار والتراب…

أما فاطمة، فتبقى واقفة كسارية تمسح بعينيها العسليتين التلال الهادئة إلا من حفيف الريح.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك