Yahoo!

جريمة “شرف”! (قصة قصيرة)

كتبهاnassaribra nassaribra ، في 1 تشرين الأول 2009 الساعة: 07:03 ص

جريمة "شرف"!

 (قصة قصيرة)

نصار إبراهيم

           نيسان-2003

  

 يجلس وحيداً في زاوية المقهى. وضع رأسه بين يديه واتكأ بمرفقيه على الطاولة الخشبية المزينة بحروق أعقاب السجائر.

مقهى رخيص، زجاجة عرق رخيصة، علبة سجائر رخيصة، وأغنية رخيصة تلعلع في الفضاء، ورجل ينوس برأسه وهو ينفث الدخان بكآبة.

    المقهى يضجّ بشتائم لاعبي الطاولة وضحكاتهم. رجل عجوز يتكيء بذقنه على طرف عصاه يراقب حبتي الزهر تقفزان بعصبية على رقعة الطاولة.

يتناهى من الشارع زعيق السيارات، صراخ الباعة وصافرات شرطة المرور التي لا نهاية لها.

 

                        *               *               *

 

    أدار العرق رأس الرجل…

    " ما الذي فعلته يا ياسر الشعلان؟ كيف حصل ذلك؟ إنني أحبها كما لم أحبّ إنساناً في العالم، وجودها، ضحكتها، عناقها لي… راقبتها وهي تكبر أمام عينيّ، كنت قريباً من همسات روحها وأعماقها… ملأت عالمي بالأماني والحكايات والأسئلة التي لا نهاية لها… راحت تكبر كشجرة حور…"

    " في الحقيقة لم أعد أحتمل أن أراها تنضج وتغادر براءة الطفولة لتدخل براءة المراهقة استعداداً لاقتحام عالم المرأة المليء بالإصرار والأسرار والتمرّد والبحث عن الذات… أو اكتشافها…

    لم ألحظ تلك اللحظة الفاصلة التي فكّت فيها الشريط الأبيض الذي يزيّن نهاية ضفيرتها المترددة على ظهرها… لتطلق أمواج ليلها بكل صخبها وعنفها وأنوثتها… قدرها جعلها تبقى في نظري أقرب للصورة الفوتوغرافية الثابتة… تبهت الصورة، تصفرّ، تتكسر، يبصق عليها الذباب وهي هناك على جدار الغرفة… الوقفة ذاتها، الوجوه البلهاء ذاتها… الابتسامات المصطنعة ذاتها… والنظرة المستقيمة كعود يابس… لا علاقة لكل ذلك بنهر الزمن المتدفق في اتجاه واحد، نكبر، نشّب، نتزوج، يشيب شعرنا، ينخر السّوس أسناننا، تحيط التجاعيد  عيوننا، تنحفر الأخاديد على جباهنا، ومع ذلك نستمر في محاولة القفز بذات الخفة، من فوق ذات الجدار الذي يرتفع متراً ونصف، لنجد أننا لم نعد قادرين على ذلك، فترتطم مؤخراتنا بالأرض… نتلفت حولنا بخجل، ثم ننهض وذيولنا بين سيقاننا ككلاب مهزومة…"

    " نعم  كان عليّ أن أفعل ذلك  بلا تردّد… لم أحتمل ما أراه… بدأت همسات الجيران تصلني، الدّم يغلي، الوحش الرابض في داخلي يتمطّى، يكشّر عن أنيابه… كان الوقت عند الغروب… كانت تسير أمامي بعنفوان ودلال… إنها في الواقع جميلة… وفاتنة… طردت الأفكار من رأسي، لا أريد أن أرى وجهها الآخر، إنها الآن مجرد وصمة عار… عاهرة تدب على قدمين نحو قدرها المرعب…

    التقت بالشاب… شاب وسيم فعلاً… تعلّقت بيده وسارا أمامي في الشارع الطويل الذي تتهامس على جانبيه أشجار الكينا، وتطلّ من وراء الجدران المنخفضة أشجار الليمون، فيما أغصان الياسمين تتهدّل بلا نظام… مثيرة أريجاً مسكراً…

    سرت خلفهما على مسافة كافية لا تثير الانتباه، كانا يتهامسان، يضحكان… وقف الشاب فجأة أمام شجرة الياسمين، تطاول على رؤوس أصابعه وأخذ يجمع الأزهار البيضاء، هزّ الشجرة، فتساقطت الأزهار كندف الثلج على رصيف الشارع، ابتعدت ليلى إلى الوراء كي لا تدوس على الأزهار… انحنى الشاب نحو الأرض وأخذ يجمعها في كفّ يده… نظر في عيني ليلى…، عيناها السوداوان الضاحكتان، ناولها الأزهار… تشمّمتها وهي تغمض عينيها وكأنها تتلقى قبلة… واصلا سيرهما… أمالت رأسها على كتفه… زمجر الوحش في داخلي… برزت مخالبه الشرسة… راحت الأشجار تتراقص… أسرعت الخطى… المسافة بيني وبين الشابين تتقلّص ومعها أخذت المسافة بين الوحش والإنسان في داخلي  تتراجع… بدأت ملامح الإنسان تختفي وتبهت وملامح الوحش المزمجر تتقدم وتكبر، اختفت القدرة على الكلام… اختفى الوعي والإدراك، اكتشفت في لحظة التحول تلك، وبصعوبة، أن ما يميز الإنسان فعلاً هو القدرة على التفكير… وهو ما بدأت أفقده في تلك اللحظة ليملأ الفراغ عواء وحشي قادم من الأعماق، عواء وحشي بائس لا تربطه أي رابطة بنداء الطبيعة البريء الذي يبيح لإناث الحيوانات وذكورها التزاوج بكل حرية، دون حقد، دون غضب، دون أي تأثير لوشوشات الجيران التافهة حول الشرف والعار…

    " الآن أنا خلفهما تماماً… اختفى في داخلي آخر شعاع يربطني بالإنسان… تحوّلت إلى ضبع متوحّش، أحسست بظهري يتقوّس فيما الشعر يقف متوتراً قبل لحظة الانقضاض، لحظة الافتراس الأخيرة…

تلاشت أضواء المدينة، شوارعها، بيوتها الأليفة، أصوات الأطفال، أنغام الموسيقى الحالمة المنبعثة من الشرفات وهي تستقبل المساء، الآن أنا مجرد حيوان مفترس يستقبل السهوب المقفرة، يقترب من الطريدة، تقرع في رأسي أصوات صاخبة، تستفزّني، تدفعني، تحرّشني على الهجوم، عليك أن تقتلها إنها عار أبدي، كيف تحتمل أن تراها تتأبط ذراع شاب غريب؟!

    تخيلتها تصعد الدرج إلى غرفة الشاب، تخيلتهما يقتربان من غرفة النوم… وفجأة صرخت : ليلى!!

    التفتت الفتاة بسرعة… وفي أقل من لحظة كان الخنجر يعلو ويومض وهو يغوص في صدرها… لم تبد ليلى أي قدر من المقاومة… فقط همست :

" لماذا يا أبي…" انزلقت بهدوء على رصيف الشارع، انكفأت تحضن الخنجر ووجهها نحو الأرض. مالت على جنبها الأيمن واتخذت وضع الجنين في رحم أمّه، وحولها تتناثر أزهار الياسمين بأريجها الهادئ الحزين..

    صعقت المفاجأة الشاب… تراجع نحو الخلف ثم استدار راكضاً وهو يصرخ " لقد قتلتها أيها المجنون… لقد قتلتها…لماذا؟"

 

                        *               *               *

 

    رفع  ياسر الشّعلان رأسه، جال بنظره في المقهى، عيناه دامعتان… أفرغ آخر كأس من العرق في جوفه، مسح فمه وشاربيه بيده.. اتكأ بيديه على الطاولة، فتح علبة السجائر، كانت فارغة، قذفها مع شتيمة، وصاح : الحساب يا ولد!…

    غادر المقهى وهو يترنّح… سار في الشارع المزدحم… أضواء المحال التجارية تتراقص، تومض بخليط ملّون..

    مشى ومشى، وهو يتمتم " ماذا فعلت يا ياسر الشعلان؟؟". ألم عميق يعصر روحه، ارتباك شامل… صور مشوّشة تموج في ذاكرته… مشهد غامض يبتعد ويقترب، خنجر يلمع ثم يهوي في الفراغ…

    كان يحاول أن يقطع الشارع إلا أن سيل السيّارات يتدفق بلا توقف، في مواجهته يقف شرطي مرور كلّما رآه يهمّ بعبور الشارع يطلق صافرته بجنون… فيستدير عائداً، يقف معانقا عامود إشارة المرور، ينظر إلى الأضواء : أخضر، برتقالي، أحمر… ثم برتقالي ثم أخضر… يهزّ رأسه ويغرق في الضحك…

 

                                *               *               *

 

    استيقظ ياسر، غسل وجهه، وضع المنشفة على كتفه، وجلس في الصالة. دخلت والدته ومعها أريج القهوة الطازج… وضعت الصينية على المنضدة…

    " إشرب، إشرب القهوة حتى تصحو من الزّفت الذي تشربه " نظر ياسر في وجهها وهو يضحك…

    " تضحك، لايهمك، هل تعرف أن عمرك الآن اثنان وثلاثون عاماً، متى ستهدأ، متى ستتزوج… أريد أن أرى أحفادي… أن أفرح بك وبهم… الله يرضى عليك يا ولدي… حقّق أمنيتي…"

 

    هزّ ياسر رأسه وكأنّه استيقظ للتوّ، وقف أمام النافذة وأخذ يحدق في البعيد… " إذن كيف جرى ذلك؟! فعلاً أنا لم أتزوّج بعد… ليس لدي زوجة أو أولاد ولا بنات….."

" هل كان ذلك كلّه مجرد خيال، تهويمات رجل سكران… من أين كل تلك التفاصيل… ومن هي ليلى، من أين نبتت؟!"

نظر نحو والدته، كانت تواصل ثرثرتها الصباحية، لم يعد يسمع أي كلمة مما تقول….

بقي واقفاً دون أن ترمش عيناه. يحتسي فنجان القهوة بصمت… " إذن ما جرى كان مجرّد هواجس… ارتكاسات داخلية…". رشف آخر ما تبقى في فنجان القهوة…

    " لكنها كانت جريمة…جريمة قتل مع سبق الإصرار… جريمة في الأعماق تنتظر التنفيذ… إننا نعدّ مقدماتها سلفاً، ننسج خيوطها، نبني إطارها وفضاءها… ونبدأ بشحذ الخنجر بانتظار اللحظة الفاصلة…"

  أحسّ بانقباض شديد يضغط على صدره… ارتدى ملابسه وخرج مندفعاً وهو يرددّ  في أعماقه " لقد قتلتها، لقد قتلت ليلى…" غاص ياسر الشّعلان في جوف المدينة كالخنجر، مضى يبحث عن ليلى، ابنته التي قتلها قبل أن تولد…!!!

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, غير مصنف | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك