Yahoo!

المجتمع الفلسطيني: جدل العلاقة بين السلم الأهلي والأبعاد الاجتماعية*

كتبهاnassaribra nassaribra ، في 1 تشرين الأول 2009 الساعة: 06:58 ص

المجتمع الفلسطيني:

جدل العلاقة بين السلم الأهلي والأبعاد الاجتماعية*

(ورقة تحليلية)

 

                                                                                         الكاتب نصار إبراهيم

                                                                                        مركز المعلومات البديلة

نيسان – 2009

إذا كان السلم الأهلي (كثقافة وممارسة) هو شرط ضروري لتماسك وتطور أي مجتمع أو شعب، فإنه بالنسبة للشعب الفلسطيني،  موضوعيا وذاتيا، يتخطى ذلك إلى الدرجة التي يلعب فيها وظيفة عضوية تمس عمق ووجود النسيج الاجتماعي، السياسي، الثقافي والنفسي، ففي ظل معاناة الشعب الفلسطيني الطويلة واغتصاب أرضه واقتلاعه ومحاولات شطبه من الوجود يعتبر أي مساس بسلمه الأهلي أقرب إلى الانتحار، فآخر ما يحتاجه شعب مشرد ومستهدف بهذه الشراسة هو العبث بآخر ما تبقى لديه: وحدته وتماسكه ولحمه الحي.

 هذه المقاربة لا تحمل أي مبالغة وإنما هي استجابة طبيعية لخصوصية المجتمع الفلسطيني بما يعكسه من بنى متداخلة ومتحركة على أكثر من مستوى واتجاه، ولطبيعة التحديات والصراع الذي يخوضه مع كل العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في المشهد الفلسطيني.

ستتعامل هذه المداخلة مع مفهومين إشكاليين بالمعنى النظري والعملي، هما: السلم الأهلي والمجتمع الفلسطيني، ذلك أن كلا منهما يشمل مجموعة من العناصر والصيرورات التي تتفاعل في إطار المفهوم المحدد من جانب، وجدل العلاقة التي تحكم تفاعلهما وتقاطعاتهما من جانب آخر.

العلاقة التي تحكم طرفي هذه المعادلة ليست عملية بسيطة، ذلك أن تعزيز السلم الأهلي ليس مجرد إجراءات ميكانيكية وإنما هو نتاج تفاعل البنى الاجتماعية المحددة التي قد تذهب باتجاه تعزيز صيرورات وثقافة وقيم ومبادئ السلم الأهلي، أو تتورط  في صيرورات نقيضة تعصف بوحدتها وتماسكها، وبالتالي قدرتها على مواجهة التحديات والتناقضات التي تجابهها سواء كانت داخلية أو خارجية، والحركة في إطار هذه المعادلة قد تكون واعية أو قسرية، وعلى أساس ذلك يتحدد خط سيرها باتجاه التناغم أو الصراع.

هنا بالضبط تتجلى أهمية وقيمة مثل هذا المؤتمر الذي يجب أن يستهدف، وبالدرجة الأولى،  التأثير في حركة طرفي المعادلة  باتجاه رفع الوعي الفردي والجمعي، وبناء منظومة من المعايير والنواظم والقيم الثقافية والسلوكية التي تعمل باستمرار على الحد من انفلات التناقضات وفقدان شروط السيطرة عليها من جانب ، وتعزيز العمليات والبنى والمعايير التي تعظّم ديناميات التفاعل الإيجابي وشد النسيج الاجتماعي دون تجاهل واقع التنوع: السياسي، الاجتماعي، العشائري، الديني، الطائفي، الثقافي والطبقي من جانب آخر، ذلك أن تلك البنى هي بالمعنى النسبي معطى موضوعي يتطور في المكان والزمان.

 وبكلمة، إنها المعطى البنيوي الذي تنبثق في سياقاته البنى الأعلى، وفي إطار هذه العملية الاجتماعية التاريخية تجري عمليات التفاعل أفقيا وعموديا، وكل ذلك في سياق عامل الزمن وما يترتب عليه من تغيرات اجتماعية، إيجابية أو سلبية.

*قدمت هذه المداخلة في مؤتمر الصحة النفسية والسلم الأهلي، الذي عقد في مدينة الخليل في 27 – 28/4/2009.

أردت التأكيد على هذه النقطة المنهجية حتى لا يسقط النقاش أو مقاربة مفهوم السلم الأهلي في المجتمع الفلسطيني في  دائرة الوعظ الأخلاقي الساذج، أو ربما أكثر من ذلك السقوط في وهم إمكانية القفز عن التنوع وما يترتب عليه من تناقضات، وكأن الالتزام بمفهوم السلم الأهلي أو تجاوزه هو مجرد استجابة نفسية أو وجدانية.

ما أريد قوله وبصورة واضحة، أن السلم الأهلي هو عملية اجتماعية، سياسية وثقافية، يرتبط نجاحها بالقدرة على التعامل مع التناقضات وضبطها وعدم دفعها، بوعي أو بدونه، نحو سياقات التفجير والصراع وتشظية المجتمع، وهذا مشروط بضرورة الإقرار بالتنوع في إطار الوحدة، وفي ذات الوقت إدارة التناقضات بطرق عقلانية واعية بحيث تستجيب لضرورات التغير والتطور من جانب، وعدم استنزاف المجتمع في صراع داخلي مدمر من جانب آخر.

ومع ذلك، فإن العديد من التجارب التاريخية تفرض علينا استدراكا لا بد من التوقف أمامه ولو بصورة سريعة، وهو أن حركة التناقضات الداخلية قد تتصاعد في ظل ظروف وشروط موضوعية وذاتية محددة لتتحول إلى  صدام اجتماعي وسياسي عنيف، قد يحدث هذا في سياق التحولات الاجتماعية  الجذرية والشاملة التي تتجلى في الثورات الاجتماعية الكبرى ضد القوى الطبقية الرجعية المهيمنة، التي هي أول من يلجأ عادة للعنف دفاعا عن مصالحها، والتاريخ، بهذا المعنى، حافل بمثل هذه الثورات (ثورة العبيد ضد روما والحرب الأهلية في الولايات المتحدة…) وهذا ما قصده ماركس بعبارته "العنف مولِّدة التاريخ"،  وذات الخيار قد يكون مبررا أيضا في لحظة تاريخية معينة لمواجهة القوى التي تتحول إلى أدوات في يد القوى الاستعمارية، مثل حكومة فيشي في فرنسا ونظام باتيستا في كوبا.

 أردت المرور على هذه الفرضية من باب استكمال النقاش لا أكثر، لأن الخوض في تفاصيلها ليس من بين أهداف هذه الورقة. على أية حال، هذه المقاربة (وبالرغم من الصراع الداخلي الذي شهده قطاع غزة) تبقى غير واردة أو ملائمة للحالة الفلسطينية، ونأمل أن تستعيد القوى التي كانت طرفا في تلك الأحداث  توازنها السياسي والأخلاقي، وذلك انطلاقا من حقيقة صارمة وهي أن عموم الشعب الفلسطيني لا يزال يتصدى لمهام التحرر الوطني وما يرتبط بها من مهام ديمقراطية. 

تأسيسا على هذه المقدمة، يمكن الانطلاق لتقديم قراءة كثيفة لجدل العلاقة التي تحكم مفهوم السلم الأهلي في المجتمع الفلسطيني.

مقاربة الحالة أو الواقع الفلسطيني، تتداخل فيها مجموعة من العناصر: الاحتلال، البنى الاجتماعية، التنوع بتجلياته المختلفة، المجتمع المدني، السلم الأهلي، الوحدة الوطنية. هذه العناصر محكومة جميعها بعلاقة شديدة التفاعل والتداخل إلى الدرجة التي يستحيل معها فصلها عن سياقاتها، والصعوبة تكمن في القدرة على ضبط حركتها وإيقاعاتها المتنوعة بهدف توجيهها نحو تعزيز العمليات الإيجابية والحد من العمليات السلبية.

الاعتراف بالتنوع في المجتمع الفلسطيني مدخل إجباري لصياغة استراتيجيات العمل السياسي والاجتماعي، بما يعنيه ذلك من الحق في الاختلاف وتنوع المصالح والاهتمامات والتقاطعات، وفي ذات الوقت الإقرار بما بات يعرف بالمصالح الوطنية العليا.

وبشكل عام، عادة ما يتم تهديد السلم الأهلي عندما يجري اغتصاب أو تجاهل أحد هذين المكونين، بمعنى؛ عندما تقوم البنى والمكونات الجزئية في المجتمع ( الحزب السياسي، الطائفة الدينية، الفئة الإثنية، العشيرة، القومية…) بالتعامل مع الواقع باعتبارها المرجعية الوحيدة التي من حقها تحديد السياسات والخيارات لعموم المجتمع بمعزل عن مصالح وأهداف وأدوار الجماعات أو المكونات الاجتماعية والسياسية الأخرى في ذلك المجتمع، يترتب على هذه الثقافة وما يلازمها من سلوك دفع المكونات المستثناة أو المهمّشة للمقاومة والصراع لحماية وجودها ومصالحها، وفي غمرة الصراع يتم هتك النسيج الاجتماعي وتدمير الروابط الطبيعية التي حافظت وتحافظ على وحدة وتماسك المجتمع في سياقات تطوره التاريخي. وإذا ما حدث ذلك  تطفو على السطح ردود الفعل الغرائزية عند الجماعات، ويتم تضخيم الخصوصيات وعناصر الاختلاف ( اللغة الخاصة، اللباس، الطقوس الدينية أو الإثنية، الثقافة الفرعية، العادات) وفي سياق هذه العملية الصراعية تتأسس الحاضنة لانفجار العنف بكل تجلياته؛ المادية، السياسية، الثقافية والنفسية، والخطير في مثل هذه الحالة أن كل جماعة تخلق لنفسها منظومات كاملة لتشريع وتبرير لجوئها للعنف ضد الجماعات الأخرى باعتباره سلوك طبيعي تماما. الوصول لهذا المستوى يؤدي إلى تراكم الشعور بالظلم والقهر، الأمر الذي يستنزف وبصورة مذهلة  ومتسارعة مكونات الوحدة الوطنية الاجتماعية والسياسية والثقافية. هكذا يتم سحق المصالح والروابط العامة للمجتمع أو الشعب أمام تقدم المصالح الفئوية، الطائفية والحزبية الأنانية الضيقة.

النقيض لهذه الظاهرة، عندما يتم القفز عن التنوع الاجتماعي والسياسي والثقافي والتعامل مع المجتمع وكأنه بنية متجانسة يتم السيطرة عليها من السلطة الأعلى انطلاقا من رفض الاعتراف بالخصوصيات وتنوع المصالح والأهداف المرتبطة بتنوع البنى الاجتماعية، أي اغتصاب الخصوصيات باسم المصلحة العامة، وهو ما يقود إلى النظام الشمولي والدكتاتورية، الأمر الذي يؤدي مع تصاعد القهر والكبت إلى التمرد، ومن جديد تنفجر الصراعات والتناقضات بصورة عنيفة،  وهكذا تنفلت شياطين الأنانية الضيقة لتبرير الصراع بما يدفع بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية إلى هاوية الاقتتال المدمر، ولهذا فإن تجنيب المجتمع الفلسطيني الوقوع في هاتين المصيدتين مهمة ترتقي إلى مستوى المقدس، ذلك أن الثمن سيكون هائلا بكل المعايير.

إذن، وعي وإدراك تنوع وخصوصيات المجتمع الفلسطيني هو شرط ضروري لتعزيز السلم الأهلي، هذا يفرض على القوى السياسية الفلسطينية بمختلف أطيافها إعادة صياغة رؤاها وبرامجها ومنظوماتها الفكرية والثقافية انطلاقا من وعي تلك الخصوصيات وما يرافقها من ديناميات وتنوع في الأهداف والمصالح والمقاربات.

المجتمع الفلسطيني مجتمع شديد الحساسية ، فهو بقدر ما يحمل من ثقافة وطنية وقومية جامعة تشكلت عبر تاريخه الطويل وفي سياقات الصراع المروّع ضد المشروع الصهيوني والاحتلال، بكل ما ترتب على ذلك من اقتلاع وإزاحات وقهر وتدمير منهجي، بما في ذلك تحول الهوية الوطنية الفلسطينية إلى عنوان مجابهة وممانعة وتحد في مواجهة مشاريع الطمس والشطب، فقد نمت وتبلورت في داخله في ذات الوقت جملة من الخصوصيات والانتماءات السياسية والثقافية والاجتماعية شديدة الحساسية، ومما زاد المشهد الفلسطيني تعقيدا، حالة الشتات التي دفعت قطاعات واسعة، إن لم تكن الأغلبية، للتعامل القسري مع سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة بقدر تباين مناطق توزع الشتات الفلسطيني.

هذا الواقع، ترك تأثيرات عميقة وأطلق ديناميات هائلة في التجمعات الفلسطينية المختلفة في سياق محاولاتها للتكيف وإعادة لمّ شظايا المجتمع الفلسطيني، وكل ذلك ارتبط بفعل المقاومة التي بدورها عكست هول الصراع وتنوع المرجعيات السياسية والفكرية واسترتيجيات العمل.

لقد تعرض المجتمع الفلسطيني منذ بداية الصراع مع المشروع الصهيوني لعمليات تقطيع وتشويه متواصلة حرمته من أي إمكانية للتطور وبشكل طبيعي كغيره من المجتمعات، هذا الواقع عرّض بناه الاجتماعية لتدخلات عنيفة لا حصر لها، كما وضع المجتمع الفلسطيني ومكوناته الخاصة أمام اختبارات طاحنة لم يكن مهيأ أو مستعدا لها.

فالقضية الفلسطينية وحاملها الأساسي المجتمع/ الشعب الفلسطيني أصبحا عقدة أعصاب الصراع في الشرق الأوسط، الأمر الذي كان يبيح لأطراف وقوى الصراع المختلفة حق التدخل المباشر وغير المباشر في محاولات مستمرة لإدارة وتوجيه الصراع وفق رؤاها ومصالحها، الأمر الذي أضاف أحمالا ثقيلة على المجتمع الفلسطيني وتعبيراته السياسية والاجتماعية، وفي هذا السياق يأتي فعل ودور العامل القومي بكل أبعاده الإيجابية والسلبية من جانب وفعل الجغرافيا السياسية من جانب آخر.

 يضاف لذلك، البعد الإسلامي بكل تجلياته في الصراع وما يترتب على ذلك من تدخلات وتشابكات. وكأمثلة على خطورة النقاط المشار إليها أعلاه وأبعادها؛ تأسيس عدد من فصائل المقاومة الفلسطينية بمبادرة من الأنظمة العربية، وفي المرحلة الراهنة الحديث عن تنظيم القاعدة في فلسطين، واتهام القوى السياسية لبعضها بتبني أجندات خارجية.

 ولكن، وبالرغم من أهمية وثقل العوامل المذكورة أعلاه فإن الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس هيمنته على مختلف مناحي حياة المجتمع الفلسطيني يبقى العامل الأشد خطورة وشراسة على الإطلاق.

إن تأثيرات وفعل هذا العامل أكبر بكثير مما يتصور الكثيرون، فالمجتمع الفلسطيني هدف استراتيجي دائم لتدخلات الاحتلال التي تستهدف السيطرة عليه وإخضاعه وتشويه بناه، وبهذا المعنى فإن بنى المجتمع الفلسطيني هي بمثابة حقل اختبار مفتوح  لنشاط  الأجهزة الأمنية  والبحثية الإسرائيلية وغيرها،  تلك المؤسسات التي تعمل  بدون كلل على إطلاق ديناميات التمزيق والتناقض والاقتتال، وفي هذا الإطار يمكن وعي التدخلات الإسرائيلية المتواصلة لاستثمار الطائفية والعشائرية والمصالح الضيقة للفئات والشرائح المختلفة (مسلمون، مسيحيون، دروز، عرب، لاجئون، ضفة، غزة، قدس، مدينة، ريف، مخيم، فتح، حماس، يسار، يمين، متدين، علماني، وافد، مقيم…)  وكل ذلك من أجل دفع المجتمع الفلسطيني أكثر فأكثر نحو دوائر التأزم والانفجار الداخلي، بهذا المعنى يجب وعي التكتيكات والمناورات الإسرائيلية سواء أخذت مظهر الجذب أو النبذ ، الاهتمام أو التهميش، مد الجسور أو هدمها مع هذه الفئة أو الطائفة أو القوة السياسية أو تلك.

وبهذا المعنى بالضبط يصبح أي احتراب أو اقتتال أو تناقض داخلي مفتعل وغير عقلاني هو خسارة كاملة للمجتمع الفلسطيني برمته (حتى لو توهمت أية فئة أو قوة سياسية أو طائفة أو شريحة اجتماعية أنها قد أصبحت في وضع أفضل)، وفي ذات الوقت ربح صاف تماما للاحتلال، بالمعنى المباشر والاستراتيجي.

الوعي الغريزي للشعب الفلسطيني يدرك خطورة هذه الدائرة القاتلة، ولهذا فإنه وعبر مسيرته التاريخية ومهما كانت اللوحة معقدة ومتشابكة ومهما كانت المبررات ( سياسية، دينية، ثقافية، اجتماعية…) كان يرى في أي اقتتال داخلي خطا أحمر لا يجوز تجاوزه أو الاقتراب منه، والمشكلة كانت دائما تكمن في القوى السياسية، التي من المفروض أنها تمثل النخبة الأكثر وعيا والأكثر إمساكا بأبعاد الصراع وخفاياه وقواه المحركة، ولكنها في غمرة العصبوية وضيق الأفق والأنانية تتحول إلى أدوات استنزاف داخلي مرعبة، سواء كان ذلك بوعي أو بدونه، فالنتيجة واحدة.

إذن، يواجه السلم الأهلي في الحالة الفلسطينية، وبصورة دائمة، تهديدان خطيران:

الأول: تسعير أو إساءة التعامل مع التناقضات الداخلية بكل تنوعاتها وقواها المحركة؛

الثاني: التدخلات الخارجية، سواء كانت بفعل الاحتلال واستراتيجياته للهيمنة والسيطرة والإخضاع،  أو بفعل تشابك القضية الفلسطينية وتفاعل أبعادها القومية والإسلامية والدولية. 

هنا، يجب لفت النظر والتشديد على أن هذين التهديدين ليسا مفصولين بأي بأي حال من الأحوال، فإساءة التعامل مع التناقضات الداخلية ودفعها بعيدا عن سياقاتها المنطقية يوفر البيئة والشروط لتصعيد التدخلات الخارجية، والتدخلات الخارجية تؤدي بدورها، في حال عدم وعيها أو التصدي لها، إلى إشعال فتيل التناقضات الداخلية، وهكذا يتبادل العاملان أو الخطران الأدوار، والنتيجة انهيار السلم الأهلي وتمزق البنى الاجتماعية وسقوطها في دوامة الاقتتال أو الاستنزاف الداخلي المتراكم.

 لقد بينت العديد من تجارب الشعوب التي اكتوت بنار الاستنزاف والصراعات الداخلية  أنه كان من السهل الانجرار إلى هذه الدوامة، غير أن الخروج منها واستعادة التماسك الوطني كان عملية صعبة للغاية وتحتاج إلى أجيال لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الوطني وتصفية ثقافة الكراهية والانتقام واستعادة الثقافة الوطنية الجامعة لكل ألوان الطيف المكونة لنسيج المجتمع/الشعب/ الأمة، وكأمثلة على ذلك: الحرب الأهلية في لبنان، حالة الجزائر، تجربة السودان والصومال، والتجربة العراقية بعواملها الداخلية والخارجية…

وفي هذا السياق لنا في حالة الانقسام الراهنة في الواقع الفلسطيني (الضفة وغزة) مثالا واضحا على جدلية هذه المقاربة ، فالكارثة حصلت، ونتائجها المدمرة يدفع أثمانها عموم الشعب الفلسطيني على كل الصعد: السياسية، الاجتماعية، النفسية، الأخلاقية والمعنوية، وهنا لا يغير من الواقع شيئا ذلك السجال الذي يدور حول من مهّد ومن بدأ ومن يتحمل المسؤولية، فالنتيجة الصارخة أن الجميع أخفق وبامتياز في حماية السلم الأهلي الفلسطيني، وكل ما تلا ذلك هي مجرد محاولات (من مختلف الأطراف) تشريع أو تنصل أو تبرير بائسة تزيد المشهد بؤسا.

إذن، تعزيز واستمرار السلم الأهلي يرتبط بصورة حاسمة بقدرة المجتمع وقواه المختلفة على إدارة التناقضات الداخلية من جانب، وكيفية التعامل مع التأثيرات والتدخلات الخارجية من جانب آخر.

بالنسبة لحركة التناقضات الداخلية في المجتمع فإنها ترتبط بوعي أبعاد ومضمون العلاقة ما بين:

1-      مؤسسات المجتمع المدني والدولة/السلطة.

2-      قبول القوى السياسية وما يرتبط بها من مؤسسات ونقابات بقواعد العملية الديمقراطية، ذلك أن من أكثر العوامل المثيرة للتناقضات الداخلية هو الصراع على السلطة.

بدون وعي حركة هذه العلاقات يصعب الحديث عن فهم عملي للسلم الأهلي.

  وعي أبعاد تلك الحركة يستدعي إلقاء الضوء، ولو بصورة مكثفة، على مفهوم المجتمع المدني وعلاقته بالدولة، وهنا ليعذرني القارئ على الاستشهاد الطويل قليلا من الكاتب اللبناني عماد الدين رائف:

"المجتمع المدني من حيث المبدأ هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى؛ علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات، ومحاسبة الدولة في كل الأوقات بالسبل الديمقراطية. هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية، اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة، تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى.

للمجتمع المدني بهذا المفهوم أربع مقومات أساسية هي: الفعل الإرادي أو التطوعي، الانتظام في منظمات أو جمعيات، قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخر، وعدم السعي للوصول إلى السلطة. ويدخل في دائرة منظمات المجتمع المدني أي كيان مجتمعي منظم يقوم على العضوية المنتظمة تبعاً للهدف العام، مثل: النقابات، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعاونية، النوادي الرياضية والاجتماعية، الاتحادات الشبابية والطلابية، المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والإعاقة، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية. ويقوم المجتمع المدني بدوره، وخاصة المنظمات المطلبية غير الحكومية المعنية بالقضايا الاجتماعية وعلى رأسها قضايا الإعاقة، على مستويين: الأول، تعبوي من خلال نهوض المنظمات هذه بوظائفها الأساسية في المجتمع وتكون فعلاً على الأرض مع أصحاب القضية بشكل مستمر ومتواصل، والثاني توعوي يتحقق من خلال التدريب العملي على الأسس الديمقراطية تجاه الأفراد والمجموعات المدنية ومؤسسات الدولة كلما دعت الحاجة" (عماد،2008)**.

___

** عماد الدين رائف، مجلة واو - نشرة دورية تصدر عن اتحاد المقعدين اللبنانيين - العدد السادس عشر - خريف 2008.

 

من هذا الاستشهاد المطول يمكن ملاحظة مدى تنوع مؤسسات المجتمع المدني وطبيعة العلاقة التي يجب أن تربطها بالدولة، فتلك المؤسسات تقوم بدور ووظيفة اجتماعية حيوية وضرورية فهي من جانب تعكس وتستجيب لحالة التنوع الكبيرة في المجتمع ارتباطا بالخصوصيات وتنوع المصالح والمطالب، وهي من جانب آخر تشكل قوة رقابة ومحاسبة للدولة، وبهذا المعنى فإن مؤسسات المجتمع المدني ليست معنية باستلام السلطة كما أنها مطالبة بالتصدي لأي محاولة قد تجر المجتمع إلى النزاع المسلح، ضمن هذا السياق يجب وعي وإدراك دور مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية كقوة بناء وتفاعل تقيم الجسور بين مظاهر التنوع في  البنى الاجتماعية المختلفة وبينها وبين الدولة.

أما على صعيد حركة التناقضات المرتبطة بدور ووظيفة القوى السياسية في المجتمع، فإن نضوج التجربة وتراكم الخبرة السياسية والاجتماعية على صعيد ممارسة العملية الديمقراطية والقناعة بتداول السلطة سلميا هو شرط ضروري للنجاح في ضبط التناقضات الداخلية واستثمار حالة التنوع في المجتمع وتحويلها من عامل استنزاف إلى
عامل قوة، وهذا بدوره مرهون بسيادة القانون واحترام مبدأ فصل السلطات.

في سياق هذه العلاقة يتضح الدور الحاسم الذي تلعبه القوى السياسية في الاتجاهين الإيجابي والسلبي، فهي قد تكون عامل تعزيز وضبط لحركة التناقضات الداخلية بما لا يخل بأسس السلم الأهلي، أو تكون عامل محرك للعناصر والقيم السلبية واستخدام غرائز الجماعات والفئات والعزف على أوتار الفئوية والطائفية والعشائرية لتعزيز مواقعها السياسية، وفي هذه الحالة فإنها تؤسس وتمهد البيئة لانفجار التناقضات الداخلية.

التجربة الفلسطينية حافلة بالسياسات والممارسات التي تعكس إخفاق القوى السياسية أو سوء إدارتها للتناقضات الداخلية ودفعها نحو التأزم، نسوق بعضها على سبيل المثال وليس الحصر: الاعتقالات السياسية، الفساد الإداري والمالي، عدم احترام القانون وتخطي صلاحيات المؤسسات، التطاول على الحريات العامة والخاصة، إساءة استخدام سلاح المقاومة في بعض الحالات من قبل أفراد أو جماعات لحسابات خاصة، الاعتداء على وسائل الإعلام، استخدام المؤسسات العامة لخدمة المصالح الخاصة أو الحزبية الضيقة، هيمنة التحريض والاستفزاز على الخطاب السياسي وثنائيات القطع التي لا تعترف بالمساحات الرمادية في الواقع المتداخل(التخوين والتكفير)، هذه الثقافة والممارسات هي بمثابة الزيت والشرارات التي تهيئ المناخ لإشعال النار في حقل السلم الأهلي.  

هذا على صعيد التناقضات الداخلية، أما بالنسبة للعوامل الخارجية التي تشكل تهديدا مباشرا للسلم الأهلي، فإن التعامل معها يجب أن يتخطى دائرة المصالح الضيقة لأي فئة أو جماعة أو قوة، ذلك أن تلك التدخلات تستهدف عموم المجتمع وتهدد وحدته وتماسكه ومستقبله.

 وبكلمات أخرى، إذا كان المدخل الضروري والشرط الحاسم لتعزيز السلم الأهلي ارتباطا بالتناقضات الداخلية يقوم على الاعتراف بالتنوع وحق الاختلاف وإقامة علاقة حيوية ومتوازنة ما بين مؤسسات المجتمع المدني والدولة على أساس التكامل والقيم الديمقراطية والالتزام بسيادة القانون وفصل السلطات وتداول السلطة سلميا، فإن المدخل الضروري والشرط الحاسم لحماية السلم الأهلي وتعزيزه في مواجهة التدخلات الخارجية يرتبط بمفهوم الوحدة الوطنية، بما هي  رؤية  وآليات  وبنى تنظيمية راسخة وقوية مرجعيتها المصالح الوطنية العليا القائمة على استراتيجيات عمل انطلاقا من القواسم المشتركة، أما قضايا الاختلاف فيتم تركها للتنافس الديمقراطي.

 انطلاقا من ذلك، فإن موضوع الوحدة الوطنية يرتبط دائما وبصورة رئيسية بأداء ونضوج القوى السياسية وقدرتها على تجديد برامجها وتمثيلها للطيف الاجتماعي والسياسي والثقافي والطبقي على المستوى الوطني العام، بهذا المعنى يمكن فهم العبارة التي تشبّه الوحدة الوطنية بالصخرة التي تتحطم عليها التهديدات والهجمات الخارجية، هذا التشبيه ليس مجرد بلاغة أدبية، بل هو في الجوهر مقاربة عملية لأبعد حد، فالوحدة الوطنية يجب أن تعكس مواصفات الصخر من حيث الصلابة والتماسك والوحدة، وهذا غير ممكن بدون احترام مكوناته الداخلية بكل خصائصها الفيزيائية والكيميائية وما يحكمها من روابط.

خلاصة القول: أن حماية وتعزيز السلم الأهلي هي عملية شاملة، دائمة، ومتحركة لأبعد حد، إنها ليست مجرد مناشدات عاطفية بل فعل اجتماعي، سياسي ثقافي وإعلامي متواصل، يقوم على الاحترام النظري والعملي لتنوع المجتمع الفلسطيني من جانب، واعتبار المصلحة الوطنية العليا وفي كافة المجالات بما في ذلك حقوق الأجيال القادمة هي الرابط الذي يوحد فسيفساء المجتمع ويشد  نسيجه الاجتماعي دون العبث بألوانه المختلفة التي بمجموعها وتكاملها تعطيه هويته المميزة وتشكل أساس ثرائه وغناه الروحي والمادي.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك