Yahoo!

شجرة اللّوز (قصة قصيرة)

كتبهاnassaribra nassaribra ، في 30 أيلول 2009 الساعة: 09:43 ص

;}

شجرة اللّوز

                                                                                       نصار إبراهيم

 

هكذا كل صباح.

 ينحدر مشرقا مع أشعة الشمس الأولى، يصعد الدرب وهو ينفض الندى عن الشجيرات والأشواك البرية المتعانقة على جانبي الدرب، بعدها يصل، يلقي حقيبة المدرسة على الصخرة القريبة ويقف لاهثا بانفعال يراقب الظلال وهي تنحسر عن التلال الممتدة شرقا وشمالا.

يدور حولها، فقط هو وهي، هو وشجرة اللّوز، عاشقان يراقصان الصباح.

كانت تطل بكل بهائها على سفح التلة، مغمورة بظلال الصباح الندية بانتظار أشعة الشمس الأولى، ومع رحيله اليومي وحيدا عبر التلال المشجرة وحواراته الصباحية نمت علاقة مدهشة بينه وبينها، يعشق نوّارها وأريجها الخاص، يتشممها بلذة، كانت أليفة وحميمة، تغذي خيالاته الرهيفة المهيأة لإغواء اللقاء عبر حوار الصمت المتواصل، يداعب نوّارها المضيء مع ضوء الصباح، يجلس مستندا إلى ساقها ويرسل بصره نحو الاتجاهات وانحدارات السفوح.

 كان ذلك زمن اللّقى الجميلة، زمن الطفولة المفعمة باكتشاف الطبيعة بتفاصيلها ومزاجها، اكتشاف الذات وقدرتها على إعادة الخلق، صياغة التفاصيل والعلاقات والأحداث العابرة، اكتشاف اللغة بمفرداتها المتناغمة مع الفضاء الممتد ما بين الذات والمكان، ما بين الحواس الخمس وما يداعبها من شجيرات، صخور، تلال، انحناءات، أصوات، حشرات، نحلة هائمة، عصفور يطير في كل اتجاه، جندب يحك قوائمه ويقفز إلى مكان ما، ظلال تنساب بهدوء فتعيد تشكيل المشهد في لحظة، ومعها يعيد إطلاق ردود فعله الفطرية.

 يجلس، ينهض، يدور حولها، يلامسها، يداعبها، يتأملها كما يتأمل في صمت ونشوة تفاصيل امرأة تقف عارية بكل أنوثتها وإغرائها وحيدة في ضوء الصباح، كانت تحتل مركز المشهد ومن عندها يطلق شعاع نظره نحو الفضاء البعيد، يذهب ويذهب ثم يعود إليها كطفل يحبو نحو أثداء أمه ليرضع ويطمئن ويغفو.

أرسل نظره نحو الجبل في الجهة المقابلة، جبل طفولته، تتماوج عل سفوحه أشجار الصنوبر بفرح لا يقطع صلاته مع حفيف حزين.

***

في الشتاء تتعرّى أغصانها،  مجرد عيدان بنية جرداء، لكنها تضج في أعماقها بصخب الحياة… تغتسل بالمطر ومن فوقها تسافر قطعان الغيوم الرمادية مسرعة بتشكيلاتها المتغيرة. تهزّها الريح فتتلامع قطرات الماء البكر متراقصة على أطرافها بشفافية مدهشة.

يأتي آذار، تبرعم العيدان، فتبدو حينها كحلمات نهود في ذروة انفعالها.. ومع دفء الربيع تشرق ابتسامات النّوار، تتفتّح ببطء آسر، ومعها، من اللّامكان، تحضر حكايات الوعي.

هي تكبر، وهو أيضا، يكبران معا، تتراكم الأيام والأعوام، وبدون أن يلحظ تنمو العلاقة ببطء وبعمق جميل.

على السفوح المضيئة والظليلة يمتد فضاء وصمت إلا من حوار المكان بمكوناته وكائناته، تتماوج أشجار الزيتون مع الريح. يقف في حضرة الطبيعة مأخوذا ويطلق ذاته إلى حيث يريد…

***

أدمن العلاقة معها، يذهب ربيع ويأتي آخر، وهي تشرق دائما بكل بهائها، وعلى السفح المقابل تتمايل أشجار الصنوبر وتخاصر كل ما يثيرها..

في ذلك اليوم الكئيب أفاقت على ضجيج قبيح حطم بلا رحمة تناغم كل شيء، ضجيج اغتصب لحظة الصمت والصباح، استيقظت الشجرة  البهية لتجد نفسها شاهدا صامتا وحزينا على جرّافات صماء وهي تلتهم غابة الصنوبر، تمزق بكراهية أصدقاء طفولتها وشبابها. كانت تزحف بصرير جنوني تلفها عواصف الغبار، تهتز الأشجار المرتعبة، تفرّ الجنادب والحشرات، تحاول أن تفهم، تحاول أن تحمي مكانها ولكن دون جدوى، كانت تهوي مع الأشجار وتغوص في الغبار، الشجيرات المتناثرة هنا وهناك فقدت هويتها، تهاوت ممزقة بألم مهين وجذورها تصرخ في وجه السماء في تشكيلات غريبة ممزوجة برائحة التراب الرطب.

فجأة، فقد المكان ألفته، تناغمه، بهجته، نظامه، وموسيقاه، تحول إلى فوضى وركام ميّت مغبرّ، المساحات الخضراء تتراجع ومكانها ظهرت طرق جيرية تمتد متلوّية بكل قبحها وقسوتها، اختفى الأخضر الطبيعي، اختفى بكل أبعاده وألوانه وانسجامه، لترتفع في الفضاء جدران رمادية داكنة بكل بشاعتها.

على سفح الجبل الغربي نصبت لوحة معدنية بائسة وكريهة: "مستوطنة هار حوما"!

***

لم يغيّر عادته، ينحدر على السفوح، يمر بين الشجيرات، يخترق حقول الزيتون، يلامس البراعم المتحفزة، ويواصل انحداره الحرّ… ثم يصعد الدرب متجها نحوها مباشرة، يقف أمامها، يتأملها… ثم يرسل نظره نحو الجبل، يمسح الجدران والأبنية الإسمنتية. الأتربة والصخور المبعثرة تغمر المنحدرات، تغطي ما حولها ومعها تفقد الأشياء هويتها وبراءتها بالتدريج.

ألقى نظرة قلقة على شجرة اللوز، كانت أقرب إلى الصمت، بدت غير واضحة، فقد نوّارها بريقه الأصيل، أحسّ بحزن يداهم أعماقه، فرّ إلى الأعلى وكأنه يبحث عن فرصة للتنفس.

لا شيء يوقف المأساة… لم يعد المكان هو المكان، ولا الذات هي الذات… كل شيء تغيّر.

سادت بينهما لحظات من الصمت، لم يعد للكلمات أي معنى، لم يعد هناك ما يقال، ابتلع صمت الإسمنت البارد صمت الطبيعة الآسر… فساد الصمت… صمت … صمت… صمت… صمت… صمت ينحني تحت وطأة القهر.

***

أخذت شجرة اللوز البهية تذوي… تفقد رغبتها في الاستمرار، لم يعد النوّار يغمرها في آذار… بضع زهرات تهتز بلا اكتراث، براعمها منغلقة على ذاتها، خُيّل له أنها فقدت الرغبة في التجدد، ولهذا كانت تمضي بصمت نحو قدرها المحتوم … فقط عيدان بنية جرداء تتطاول على خلفية السماء المغبرّة وتهتز بأسى ووحشة…

 لكنه واصل زياراته الصباحية إليها، يجلس صامتا، يتابع غابة الإسمنت الرمادية وهي تغطي الأفق الشمالي، ثم ينكسر نظره عائدا إليها… هبّت نسمة صباحية قادمة من الشمال الغربي، فاهتزت شجرة اللوز قليلا ثم هدأت.

 بدت لحظتها وكأنها شابة اكتشفت فجأة أنها مصابة بورم خبيث، كانت تتلاشى، تذوي… تتسرّب الرغبة في الحياة والمقاومة من أغصانها وجذورها وتذوب في أعماق الأرض.

نهض…وقف حائرا، عاجزا،  دار حولها، حمل حقيبته، غادر المكان، راح يصعد السفح ورأسه نحو الأرض تغمره رغبة عاتية للبكاء.

***

انحسر الفرح العفوي في داخله كموجة حزينة، أصبح يكتفي بنظرة يرسلها من بعيد، يواصل سيره وهو يهز رأسه بأسى، فيما الشجرة تبدو نافرة وكئيبة على صفحة السماء الزرقاء.

يصعد الدرب عاجزا ومهانا إلى أقصى حدّ، وحين يصل قمة السفح وقبل أن ينحدر في الاتجاه الآخر يقف… ثم …. يستدير ويلقي نظرة يودع معها آخر ما يراه من فروعها التي تواصل صمتها واهتزازاتها في إيقاع رتيب كأم تنود وفي حجرها طفل فارق الحياة.

***

لم تعد شجرة اللوز تبرعم أو تزهر أو تورق، جفت تماما، عيدان يابسة تقصفها الريح بكل سهولة… كانت تتلاشى بدون ضجيج.

فقد الرغبة في زياراته الصباحية، لم يعد لها أي معنى، يكتفي بالنظر إليها من بعيد، وعلى جانبي الدرب، التي كان يصعدها منفعلا كل صباح، نمت الشجيرات والأشواك، ومع الأيام ضاعت ملامحها، راح النسيان يطمسها ببطء.

***

ثلاثة أعوام مرّت… هيمنت غابة البنايات تماما على جبل "أبو غنيم"… لقد نسي شجرة اللوز تماما، أو هكذا خيل له.

فجأة  قرر في ذلك الربيع ، أن يذهب إليها، كما تعوّد في زمن اللّقى والأيام الجميلة.

حمل حقيبته وانحدر بصمت، اخترق حقول الزيتون وبحث بغريزته عن بقايا دربه الخاص وصعد…

بقايا شجرة جافة كانت تقف بصمت، تأملها، دار حولها فيما أطياف ذكريات وملامح صور بعيدة لشجرة لوز مزهرة تتمايل بكامل أناقتها وجمالها.

 دار حولها من جهة الشرق، هبط بنظره نحو ساقها الأسود الجاف… وفجأة….

أحس بكل شيء ينتفض ثم يستقر في أعماقه، اجتاحته رعشة غامرة لا حدود لها…ألقى بالحقيبة جانبا بحركة لا إرادية وقرفص أمام الساق الجافة… انحنى وكأنه يصلي أو كمن يقبل الأرض لا فرق…

شتلة لوز خضراء كانت تنبثق من عمق الأرض وتعانق الساق الجافة بألفة وحميمية، كانت تتمايل ببراءة مع أشعة الصباح الأولى…

طفرت الدموع من عينيه، أخذ يدور ويدور حول الشجرة كطفل… يندفع شرقا وغربا بلا هدف، ثم يعود راقصا، يرمي نظرة سريعة على الجبل وأشجار الزيتون ثم يعود وينحني على الشتلة يداعب أوراقها ويلمسها بكل رهافة وحنان…

يا الله، يا صديقة الطفولة، هكذا إذن، في أعماق الأرض كنت تواصلين المقاومة الأزلية بين ألفة الطبيعة وتناغمها وكتل الإسمنت التي تحاول أن تسحق براءة الكائنات، عفويتها وعلاقاتها المدهشة.

رآها، كانت  تبتسم، تستعيد بعضا من فرح الماضي وبراءته، تضحك في عمق الأرض الرطبة وكأنها ترغب في احتضانه كفتاة تستعد للحب على طريقتها، وفي غمرة الفرح البهيج لمس رعشة عتب قادمة من الساق الذاهبة في الأرض: كان يجب أن تملك قدرا أعلى من الثقة في جذور طفولتنا!

***

غادر المكان، أخذ يصعد السفح بخفة وفرح، كان يصعد  ويصعد،  باسما، ضاحكا وباكيا…

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك