علامات تعجّب!!!
نصار إبراهيم
(1)
بعد عشرين عاما عدت إلى وطني… ما أجمل قاعة المطار!
تقدّمتُ بكل ثقة: سلّمتُ على الموظّف بلغة عربية أصيلة وناولته جواز سفري مع ابتسامة عريضة. تفحّص الجواز، ثم نظر إليّ.
- انتظر هناك!
- لماذا( انحسرت الابتسامة تلقائيا)؟
- "بلا كثرة حكي"، اجلس على المقعد.
جلست. بعد دقيقة نهضت. تقدمت من ذات الموظف ( دون ابتسامة، لا عريضة ولا ضيقة)، دفعت أمامه جواز سفري الأجنبي، نظر في الجواز، رفع رأسه مع ابتسامة عريضة، وختم الجواز.
- أهلا وسهلا! لو سمحت أين ستقيم؟
- What! I don’t speak Arabic
- مش مهم، تفضل!
سرت مبتعدا، وأنا أتذكر… عندما كان يسألني أحدهم في بلاد غربتي: من أين أنت!؟
كنت أنفش ما تبقى لي من ريش، أهزّ عرفي، أرفرف بجناحيّ كأي ديك بلدي يستعد للصيّاح: أنا عربي!
(2)
قبل عشرين عاما، عندما كان عمري عشرين عاما، لم أترك حيلة أو وسيلة أو عبارة لطشتها من كِتاب" رسائل العشّاق" - الذي اشتريته عن الرصيف بنصف قرش – إلا واستخدمتها لأقنع ابنة جيراننا، التي هي ابنة عمّي، كي تخرج معي في نزهة.
بعد عشرين عاما لم أترك حيلة إلاّ واستخدمتها ( أحرقت كتب رسائل العشّاق، مزّقت قصائد الغزل العذري و…غير العذري، ولعنت كلَّ شعراء النّسيب والتّشبيب من أيام الجاهلية حتى نزار قبّاني) فقط لأقطع الطريق على ابنتي كي لا تخرج في نزهة مع ابن جيراننا، الذي هو ابن أخي!
(3)
غادرت قريتي منذ ثلاثين سنة، يومها قبّلت يد والدي، قبّلت يد والدتي وطلبت منهما الرّضى والتوفيق،
بعد ثلاثين سنة عدت وقد " غزا الشّيب مفرقي…"!
قبلت يد والدي، قبّلت يد والدتي..
أردت أن أقول شيئا..
قال والدي بحزم: اخرس يا ولد!
فاكتشفت أن عقارب ساعة الآباء لا تتحرك!
(4)
قال صديقي: عجيب أمر هؤلاء اليابانيين، يتفاخرون بأنهم يقتربون من لحظة تحويل الروبوت إلى إنسان!
قلت، بعد صمت: نحن أكثر عجبا ومكرا، فقد نجحنا منذ زمن في تحويل الإنسان إلى روبوت!
(5)
كان عمر ابن جارنا خمسة أعوام، كنت أحمله، أحاول تعليمه كيف يتسلق شجرة التّين ليقطف حبة ويأكلها، كان يبكي وهو ينزلق على ساقها. أقطف حبة تين كالعسل وأطعمه فيسكت…
الآن عمري سبعون عاما، أجلس متكئا على عكّازتي بجانب ساق شجرة التين ذاتها… ابن جارنا يملأ كفيه بحبات تين عسلية، يقدمها لي، ويسأل: هل تذكر؟
- لا، لا أذكر!
أنظر إلي أغصان الشجرة: كم هي مرتفعة!
(6)
"مبروك جاءتكم بنت كالقمر"… صمت!
بعد عشر دقائق "مبروك، ولد " …تعلوا الزغاريد! واحتفاء يذبح الوالد ديك الدجاجات الوحيد.
بعد عقدين ونصف؛ زوّر الولد توقيع والده وباع البيت! صمت!
كافحت البنت، استردّت البيت، وزجّت الولد في السجن… تعلوا الزغاريد!
تذكّر الوالد ديك الدجاجات الوحيد وبكى!
(7)
رآها في الباحة، عيناها سوداوان وجذابتان، غمر وجهه بين صفحات كتاب ليخفي طيف ابتسامة عابرة. لاحقته وهو يمضي متعثرا، فابتسمت بصدق.
مع الأيام واصلت عيونهما الحوار…
رآها يوما تجلس على طرف المقعد الخشبي في ظلّ شجرة الصنوبر، لم ينظر إليها، اقترب وجلس على الطرف الآخر من المقعد، فتح كراسته وراح يحدّق بها. فتحت أحد الكتب وغاصت فيه.
تقدّم رجل يرتدي معطفا طويلا، جلس بينهما، التفت إليها، ثم التفت إليه، فتح الجريدة وأخذ يتابع صفحة الوفيات باستمتاع… ثم همس دون أن ينظر إلى أي منهما:
"ممنوع التجمع لأكثر من شخص واحد.. ممنوع السياسة.. مفهوم!"
(8)
استيقظتُ مع العصافير التي أخذت تقفز و تزقزق فورا، أما أنا فرحت أغسل وجهي بصمت!
























